الشتاء.. أيامه ولياليه

1-1-2026 | 15:12

إن كنت مثلي من هؤلاء الذين يحبون فصل الشتاء، يفضلونه عن بقية الفصول، ينتظرون مقدمه بكل لهفة فغالبًـا ما سوف تحملك عيناك على قراءة سطوري، ستجد روحك تهيم سعادَةً، تحلق مع كل حرف يعبر عن محبتك له، تتجول بين دروبه تعود لتحيا في أيامه ولياليه، تتمنى عودة ذلك الزمن الذي مضى، وعودة كل من كانوا بقربك فيه، ستتابع هذا الحديث المطول عن أيام جميلَةٍ مرت، أيام تحول بردها القارس إلى حرارة كانت تدفئنا وتحفظ لنا سلام أنفسنا.

كنا نتجمع على حبه معًا، نتجاذب أطراف حديثنا العذب ننتظر مطر الشتاء الذي غاب لعامًـا كامل، بشوق غامر نستقبله، نتوق لسماع صوته حين ينساب على نوافذ غرفنا وشرفاتنا، كأنه كان يعبر إلينا محاطًـا بموكبه السنوي تصاحبه سيمفونية من نغمات تأخذ بتلابيب العقل، يتسلل إلينا عطره الأخاذ المحمل برحيق الورد، كنا نتسلم رسائله الإيجابية، نقفز تحته فرحين، مستمتعين بأثر لمساته الحانية، ننظر إلى قطراته المتلألئة التي كانت حينما تسقط تداعب شعورنا، تقبل رؤوسنا ووجناتنا.

سيدفعك شوقك الذي يصاحبه حنين جَمٌّ إلى القيام بجولة سريعَةٍ بين كلمات خرجت من القلب عن شعور يشبه شعورك، ستقرأ حديثي هذا حتى من قبل أن أكتبه وأتحدث به، ستقاسمني أحاسيسي وسيعي قلبك مضمون رسالتي، ستنتظر دعوَةً للسباق، قصة دونت فصولها منذ الصغر، تنادينا حينها طفولتنا البريئة التي مرت علينا منطلقَةً كالبرق، تستدعينا للوثب تحت مائه دون مبالاة لتنمر أو عتب.

أيام مرت بنا ومررنا بها، طالت هي أو قصرت فهي كانت رائعَةً، عاشت بذاكرتنا طويلًـا حتى تحول بردها إلى دفء ملموس نحسه ولا ننكره، سرور فاض علينا حاك من برودته رداءات وأغطية. لقد كان الشتاء رمزًا لتجمعنا معًا، شرحًا وافيًا لالتفافنا، كنا حول موقد بسيط يصدر أصواتًا تبدو مزعجَةً، أحببنا صخبه وأدركنا قيمة صحبته فصوته كان يوجه النداء إلينا، كنا نلملم معه شتات أنفسنا ونصنع من طفولتنا ملاحم شجاعة ومن عواطفنا النبيلة والرقيقة كنا نغزل محبتنا، ندون رسائل تلاحمنا، ونعبر عن مدى سعادتنا بوجودنا إلى جانب بعضنا البعض.

وها هو صوت الموقد يعلو ويعلو يعزف موسيقاه المختلطة، تأتي معه رائحة طعام زكيَةٌ تلتقطها أنوفنا التي صنعت بخيالها منه مأدبَةً بالخير عامرَةً، وبرغم بساطة طعامنا تتجه نحوه الأيادي تغترف مع الخبز حبًا وطمأنينة نسعد بأننا نسامر بعضنا بعضًـا منعزلين بفضل صوته عن عالمنا الخارجي.

سيظل الشتاء موسمًا ملائمًا لميلاد أرواحنا مرَةً ثانيَةً، موسم سعادَةٍ وغبطَةٍ لكل من يعشقونه مثلنا، من يرون فيه السبيل لصناعة خيال خصب يتجدد، يرقبون بحارًا تعكس فوق صفحتها جماله وتستقبل أمطاره الغزيرة مبتهجَةً، سيظل صوت المطر في آذاننا ملهمًا لنا، حنين دائم إليه ولكل من هام به، لا أدري إن كان الشتاء هو الذي ينتظرنا، أو أننا نحن من ننتظره؟

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة