سنة حلوة يا جميل!!

1-1-2026 | 15:04

هو اليوم الأول، في الشهر الأول، من العام الجديد.. صفحة جديدة من الزمن، فُتحت حالًا، طاوية معها صفحة العام المنقضي.. مضى بكل ما فيه، بحلاوته ومرارته، بنجاحاته وإخفاقاته، ببشرٍ جبروا، وغيرهم غدروا.. استقبلنا فيه أناسًا، وودعنا آخرين. مرت فيه أيامنا وليالينا هادئة وصاخبة، أفراحًا وأتراحًا.. وأعجب حقًا، ومع إطلالة كل عام جديد، من أولئك الذين يقتفون أثر المنجمين، بحثًا عن أسرار العام الجديد!! لعلهم يجدون فيه، سعادتهم المنشودة، وأمانيهم المفقودة! وهي يقينًا (غيب) لا يعلمه إلا الله، جلت قدرته. 

وهؤلاء المنجمون، بلا شك، دجالون كذابون.. "قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ".. وماذا عسانا نقول مع نسائم عام جديد؟ نقول هي فرصة جديدة يمنحها الله تعالى لنا، لنتوب، لنرحم، لنسعد أنفسنا، ومَنْ حولنا.. فرصة أخرى، لتغيير الواقع نحو الأفضل، وتحطيم السلبي من العادات. 

فرصة عظيمة، للم شمل، ووصل مقطوع، وشحذ همة، وكشف غمة، وفك كربة، وإنارة ظلمة. فيه يجب أن نكثر من الدعاء، ففيه النجاة، والعبد مأمور بالدعاء، وموعود بالإجابة، والله تعالى حيي كريم، يستحيي أن يرد عبده صفر اليدين خائبًا. 

والدعاء هو العبادة، كما علمنا المصطفى، صلى الله عليه وسلم، وأكد بقوله تعالى: "وَقال رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ".. كان عمر، رضي الله عنه، يقول: إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن هم الدعاء، فإذا أُلهمت الدعاء، فإن الإجابة معه. وفيه يلزم أن نعفو ونصفح، ونسلم أمورنا لله، فالقدر يبدع في تصفية الحسابات، ولك في اليد التي ألقت بيوسف في الجب، المثل والعبرة، إذ جاءته بعد سنين ممدودة لتقول له: "تَصَدَّقْ عَلَيْنَآ".. فلا جزع، ولا حزن، فعزيز النفس، لا يعادي أحدًا، ولا يسعى للانتقام من أحد، بل يسلم الأمر كله لله، وقد يترك إذا لزم الأمر، الجمل بما حمل! وفيه يجب أن تصفو نفوسنا، وتعلو ابتسامتنا، فالابتسامة مصيدة المودة، وأن تشق طريقك بابتسامتك، خير من أن تشقه بسيفك.

ولقد نصحنا السابقون: إذا كنت لا تستطيع الابتسامة، فلا تفتح دكانًا، فهي التي تبعث على الارتياح، وتبلسم الجراح. 

في العام الجديد، لا تعكر صفو أيامك، ولا تثقل يومك بهموم غدك، فقد لا تجيء هموم غدك، وتكون قد حرمت سرور يومك. 

إننا نموت حين يملأنا اليأس، لا حين نتوقف عن التنفس. ارض بما قسم الله لك، ولا تتعلق بالمفقود، وتنسى الموجود، وقل الحمد لله دومًا. تمسك بالأمل، وقاتل للنهاية: أعلل النفس بالآمال أرقبها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل في العام الجديد، سامح واصفح وتجاوز، ودع الخلق للخالق، واشرب صديقي، من كأس التغافل حتى تثمل، فتسعة أعشار العافية في هذا التغافل. رافق مَنْ أراد الخروج من حياتك إلى الباب، وودعه بابتسامة، وتأكد أنك أغلقت الباب جيدًا. 

بلسانك ترتقي، وبه يحبك الناس، وبه ترتفع عند الله، وبه تزف إلى الجنة.. اكتب الإساءة على الرمال، والمعروف على الصخر، فالمكتوب على الرمال يمحى أثره، بينما المكتوب على الصخر باقٍ.. لا يتواضع إلا الواثق بنفسه، ولا يتكبر إلا العالم بنقصه.. خذ من الدنيا ما شئت، فستخرج منها كما جئت.. 

في العام الجديد، نتذكر أصحاب الفضل علينا، مَنْ علمونا، مَنْ ساندونا، مَنْ جبروا بخواطرنا، وندعو لهم بالخير والرحمة. 

أتذكر والدي، سيدي وأستاذي وملاذي وعكازي، شيخ مشايخ سيناء، المجاهد سالمان اليماني، القامة والهامة، والشرف والكرامة، والذي بسيرته تتعطر المجالس، وأتذكر أمي فاطمة، سيدة الفضليات، الصابرة المحتسبة، الدعوة الصالحة، التي ما زلت أعيش بها، وأنعم من فيض دعائها. 

أتذكر زوجتي، التقية النقية، وأولادي محمد وكريم وزياد، والساكنة في القلب، قرة عيني، وروح فؤادي، صديقتي بلا شبهة، وحبيبتي بلا غيرة، ابنتي جودي… 

أتذكر أهلي وجيراني وصحبي وزملائي الأوفياء، شريان الخير، ونبع (الحنان).. ولأجلهم جميعاً، أدعو ربي، جلت قدرته، في العام الجديد: اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لي دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر..

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة