كان المصريون القدماء يحتفلون بالعام الجديد بطرق فريدة ومبهجة تعكس عمق حضارتهم وارتباطهم بالطبيعة والآلهة، فالاحتفال بعيد رأس السنة في مصر القديمة كان حدثًا دينيًا واجتماعيًا بالغ الأهمية، ارتبط بفكرة التجدد والبعث واستمرار النظام الكوني.
موضوعات مقترحة
بدوره يقول الدكتور محمود حامد الحصري، أستاذ مساعد الآثار بجامعة الوادي الجديد، في تصريحات لـ بوابة الأهرام، إن عيد رأس السنة الجديدة عُرف باسم «وبت-رنبت» Wepet Renpet، أي افتتاح السنة، وكلمة عيد في اللغة المصرية القديمة عُرفت باسم «دنيت» أو «إههي»، وكان يتزامن عيد رأس السنة مع ظاهرة طبيعية كبرى هي فيضان نهر النيل، المرتبطة بظهور نجم الشعرى اليمانية المسمى Sirius، والذي كان يبشر بقدوم الفيضان. وكان فيضان النيل مصدر الحياة والخصب وبداية دورة زراعية جديدة، لذلك لم يكن رأس السنة مجرد انتقال زمني، بل لحظة مقدسة تتجدد فيها قوى الطبيعة وتُبعث فيها الآلهة وتُستعاد فيها طاقة الكون، وكان المصريون يرون أن انتظام الفيضان هو علامة رضا الآلهة واستمرار «ماعت»، أي النظام والعدل في العالم.
ارتباط عيد رأس السنة بالمعتقدات الدينية:
ارتبط عيد رأس السنة ارتباطًا وثيقًا بالمعتقدات الدينية، خاصة بأسطورة أوزير وإيزيس وحورس، حيث اعتُبر الفيضان رمزًا لعودة أوزير للحياة مرة أخرى، وكانت الطقوس تهدف إلى ضمان الحماية من قوى الفوضى والشر خلال العام الجديد، لذلك كانت المعابد تمتلئ بالاحتفالات والقرابين، ويشارك الكهنة في طقوس تطهير، وتماثيل الآلهة تُحمل في مواكب احتفالية داخل المعابد أو حولها، كما كان يُعتقد أن هذا اليوم يحمل طاقة سحرية خاصة، فكان الناس يتفاءلون به ويحرصون على بدء السنة بأعمال الخير والدعاء.
أشكال الاحتفال بعيد رأس السنة:
ويوضح محمود حامد الحصري أنه تنوعت أشكال الاحتفال بعيد رأس السنة بين الطقوس الدينية والمظاهر الشعبية، حيث كان عامة الناس يشاركون بالفرح والابتهاج في البيوت والشوارع، وتُعد الموائد بالطعام والشراب احتفالًا بالوفرة القادمة مع الفيضان، ومن أشهر الأطعمة الخبز المصنوع من القمح والشعير، والأسماك التي كانت تُجفف أو تُشوى ويتم صيدها من نهر النيل، والخضروات مثل البصل والخس، إضافة إلى الفواكه الموسمية. أما المشروبات فكان الجعة من أكثرها انتشارًا، إلى جانب النبيذ المصنوع من العنب أو البلح، وكان تناول الطعام والشراب يتم في أجواء جماعية تعكس روح المشاركة والاحتفال بالحياة.
ولم يخلُ الاحتفال من الغناء والرقص والموسيقى، إذ لعب الفن دورًا أساسيًا في التعبير عن الفرح، فكانت الفرق الموسيقية تستخدم الآلات مثل الهارب والناي والدفوف، وتُؤدى الأغاني التي تمجد الآلهة وتشكرها على عطاياها، كما كانت الرقصات تُؤدى في المعابد والاحتفالات الشعبية، وتشارك فيها النساء والرجال بأزياء مزينة وحركات رمزية تعبر عن الخصوبة والبهجة، وكان للغناء والرقص دور في طرد الأرواح الشريرة وجلب الحظ السعيد للسنة الجديدة بحسب المعتقدات السائدة.
التقويم القمري والشمسي:
اعتمد المصريون القدماء على دورات القمر لتحديد الأشهر والأيام، ولكن مع مرور الوقت ومعرفة الزراعة ومراقبة فيضان النيل ورصد النجوم في السماء، طوروا تقويمًا شمسيًا أكثر دقة لتنظيم الزراعة والاحتفالات الدينية، حيث كان التقويم القمري المصري يعتمد على دورات القمر، مما يعني أن الأشهر كانت تتغير باستمرار بالنسبة للفصول الشمسية. لكنهم لاحظوا عدم دقة هذا التقويم مع فيضان نهر النيل، مما دفعهم لتطوير التقويم الشمسي، الذي تم تطويره ليتزامن مع فيضان نهر النيل، وهو حدث سنوي حاسم للزراعة.
وكانت السنة لديهم تتكون من 365 يومًا، مقسمة كالتالي:
12 شهرًا، كل شهر 30 يومًا، مضافًا إليها أيام النسيء (خمسة أيام)، تُسمى «أيام الحصاد» أو «أيام الأيام الخمسة المنسية»، وكانوا يعتقدون أنها أيام ولادة الآلهة الكبار (أوزير، إيزيس، ست، نفتيس، وحورس)، وبذلك تصبح أيام السنة 365 يومًا.
أما بالنسبة لفصول السنة فكانوا ثلاثة فصول فقط، وليس أربعة كما في وقتنا الحالي، وكان كل فصل يتكون من أربعة أشهر، وهي مرتبطة بالدورة الزراعية:
فصل «آخت» (الفيضان): وقت غمر النيل للأرض.
فصل «برت» (الإنبات/الشتاء): وقت بذر البذور ونمو الزرع.
فصل «شمو» (الحصاد/الصيف): وقت جمع المحاصيل والجفاف.
الأعياد والاحتفالات في مصر القديمة:
ويضيف محمود حامد الحصري أنه لم يكن عيد رأس السنة «وبت-رنبت» هو العيد الوحيد في مصر القديمة، بل عرفت الحضارة المصرية عددًا كبيرًا من الأعياد التي تجاوزت المئات، وكانت هذه الأعياد تجمع بين الدين والفرح، وتُعد مناسبات للتقارب الاجتماعي وتأكيد الهوية المشتركة، وقد ساهم تنوع الأعياد في جعل الحياة المصرية القديمة مليئة بالحركة والاحتفال على مدار العام. ومن أشهرها:
(عيد الأوبت): أحد أهم الأعياد في الدولة الحديثة، وكان يُقام في الأقصر، حيث يُنقل تمثال الإله «آمون-رع» من معبد الكرنك إلى معبد الأقصر في موكب جنائزي مهيب عبر طريق الكباش أو عبر النيل، وكان الهدف من هذا العيد هو تجديد طاقة الملك وتأكيد شرعيته الإلهية.
(عيد الوادي الجميل): هو عيد يشبه «يوم الموتى» أو زيارة المقابر حاليًا، حيث كانت العائلات تذهب لمقابر أسلافها في البر الغربي للأقصر، ويحملون الزهور والطعام، ويقضون اليوم في الاحتفال مع أرواح الموتى لتعزيز الروابط بين الأحياء والأموات، مثلما يحدث في وقتنا الحالي.
عيد حب-سد (اليوبيل الملكي): وهو عيد خاص بالملوك فقط، يُحتفل به عادة بعد مرور 30 عامًا على جلوس الملك على العرش، وكان الهدف منه تجديد شباب الملك وقوته البدنية من خلال طقوس سحرية، وجري الملك في مضمار خاص لإثبات لياقته.
عيد شم النسيم (عيد الشمو): وهو موروث شعبي قديم استمر لأكثر من 4500 عام حتى يومنا هذا، وكان يرمز لبدء الخلق وفصل الربيع، ومن الأطعمة الخاصة به البيض (رمز الخلق)، والسمك المملح «الفسيخ» (رمز النيل والخير)، والبصل (لطرد الأرواح الشريرة).
عيد مين (إله الخصوبة): كان يُحتفل به في بداية فصل الحصاد، وكان الملك يشارك في حصاد أول حزمة من القمح بنفسه، كنوع من القربان لشكر الآلهة على المحصول.
مظاهر الاحتفال برأس السنة الجديدة في مصر القديمة
مظاهر الاحتفال برأس السنة الجديدة في مصر القديمة
مظاهر الاحتفال برأس السنة الجديدة في مصر القديمة
د. محمود حامد الحصري