"الاستدامة" مسألة "كرامة"!!

31-12-2025 | 15:01

شهد شهر ديسمبر الحالي 3 أحداث مهمة في مجال البيئة لتضاف إلى رصيد العام الحالي 2025 قبل أن ينتهي، الأول هو "إعلان القاهرة"، مع انتهاء مؤتمر الأطراف لاتفاقية حماية بيئة البحر المتوسط "اتفاقية برشلونة - COOP 24"، والذي حمل تحولًا مفصليًّا في مسار حماية المتوسط، والتطور الثاني إصدار محكمة العدل الدولية في لاهاي أول سياسة تعتبر "الإبادة البيئية" جريمة دولية ومفهومًا عالميًّا لا يقل ضررًا عن "الإبادة الجماعية"، وحمل هذا الاعتراف الدولي بأن التدهور البيئي الشديد يهدد بقاء الإنسان، أما التطور والحدث المهم الثالث هو فوز د. ياسمين فؤاد وزيرة البيئة السابقة، بجائزة صندوق نوبل للاستدامة لعام 2025 التابع للأمم المتحدة، ما يضع مصر، من خلالها، في صدارة دول العالم الرائدة بيئيًّا وتنمويًّا.

تناولنا الحدثين الأول والثاني باستفاضة مؤخرًا، واليوم من المنطقي التنويه إلى إعلان "صندوق نوبل للاستدامة" عن فوز د. ياسمين فؤاد، وكيلة السكرتير العام والأمينة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر "UNCCD"، بجائزة الصندوق لعام 2025 في فئة "الريادة في التنفيذ"، تتويجًا لمسيرة جادة ومسئولية ملتزمة حملتها بوعي ملحوظ، على مدى يقترب من 3 عقود.

لم يحدث هذا الفوز من فراغ، فقد ذكرت حيثيات الصندوق مانح الجائزة: "إن د. فؤاد دمجت على مدار 26 عاماً بين العلم والسياسات، رابطة القرارات الدولية بمصير الإنسان وحماية الأرض. منذ عملها الأكاديمي، مروراً بتجربتها الثرية كوزيرة للبيئة في مصر، وحتى دورها الأممي الحالي، ظلت قناعتها راسخة: "حماية الأرض تبدأ من حماية الإنسان"، لتصبح أحد أهم الشخصيات العالمية التي أعادت صياغة مفهوم القيادة البيئية بمنظور إنساني شامل".

كما رصد صندوق نوبل للاستدامة، جهدها منذ مؤتمر التنوع البيولوجي 2018، من خلال موقف اعتبره الصندوق الملخص لفلسفتها، وقال في تقريره: "حين دخل أحد أطفالها القاعة ووضع يده على مطرقة التفاوض، تعلق فؤاد: "أدركت وقتها أننا نتفاوض على نصوص بينما أطفالنا يتفاوضون على مستقبلهم"، هذه الجملة تكشف عن قيادة تُصنع بـقلب أم وعقل عالمة ورؤية دولية تسعى لتحقيق عدالة مناخية تشمل الجميع".

ما زالت هناك نزاهة وعدالة في توجه المنظمات الدولية، كشفت عنها كلمات الصندوق الأخيرة في رؤيته وتقريره محددًا في كلماته، أن ياسمين فؤاد تكشف عن قيادة تُصنع بـ قلب أم وعقل عالمة ورؤية دولية تسعى لعدالة مناخية للجميع.

وأضافت الحيثيات أيضًا: "على أرض مصر، كان تأثير فؤاد ملموساً وراسخاً، فقد قادت منظومة الإدارة الحديثة للمخلفات، وأشرفت على تطوير المحميات الطبيعية، ودمجت مفاهيم الاستدامة في الخطط الوطنية، وصولاً إلى خلق آلاف "الوظائف الخضراء" وتعزيز مشاركة المرأة والشباب في العمل البيئي.. هذه المحطات صنعت بصمة مصرية تحولت إلى نموذج يُحتذى به دولياً، ولم يتوقف حضورها عند حدود السياسات، بل عملت مباشرة مع المجتمعات الأكثر هشاشة، من النساء اللواتي يُعدن بناء حياتهن بعد الكوارث، إلى الرعاة والمزارعين الذين يواجهون ندرة المياه وتدهور الأراضي، مؤمنة بأن صوت هؤلاء يجب أن ينتقل إلى موائد المفاوضات الدولية".

والمعروف أن "صندوق نوبل للاستدامة - Nobel Sustainability Trust"، أسس لتعزيز التنمية المستدامة من خلال تكريم الابتكارات والقيادات التي تخدم رفاهية الإنسان والكوكب، حيث يمنح جوائز للأفراد والمؤسسات البارزة في مجالات مثل تعزيز المدن المستدامة، وتسعى المؤسسة لربط التقدم البشري مع الحفاظ على البيئة، عبر تشجيع البحث العلمي والحوار العالمي في مجال الاستدامة، بهدف تقدير الأفراد والمؤسسات التي تقدم حلولاً مبتكرة للمشاكل البيئية والمجتمعية، وتعزيز التعاون العلمي من خلال توفير منصة للتعاون بين العلماء والباحثين في قضايا الاستدامة على مستوى العالم.

وجاء التكريم تحت عبارة "الريادة في التنفيذ"، وتعني تحويل الأفكار المبتكرة إلى واقع ملموس وناجح عبر تخطيط إستراتيجي، واتخاذ مبادرات، والتكيف مع التحديات، مع التركيز على تحقيق الأهداف المحددة، وتطوير المنتجات، وإطلاق الحملات، وحل المشكلات بمرونة للاستفادة من الفرص وتحقيق نمو مستدام.. وهي الجسر بين الفكرة والنتيجة، وتعتمد على صفات قيادية قوية وقدرة على الإنجاز وتحقيق الأهداف الطموحة.

وتدرك، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة، والأمينة التنفيذية لمكافحة التصحر، أن هناك 25 دولة في العالم، من بينها 15 دولة عربية، مهددة بشح المياه بسبب الإجهاد العالي لمواردها المائية، لكي تواجه ياسمين تحديات وقوع 25 دولة في العالم، من بينها 15 دولة عربية تضم ربع سكان الأرض مهددة بشح المياه بسبب الإجهاد العالي لمواردها المائية، فهي تسعى لتطبيق مفهوم "التنمية الإنسانية" عبر الحوكمة.

وبلورت فؤاد روحها وقيمها عند تسلمها الميدالية لتهديها إلى بلدها: "للنساء اللواتي تبنين مجتمعاتهن من جديد، وللشباب الرافضين لليأس".

وإذا كانت المشكلات محلية وإقليمية، إلا أن الحلول عالمية، فقد كشفت تقارير تحليل الانبعاثات الصادرة عن 180 شركة كبرى، أنها مسئولة عن حوالي 50% من زيادة شدة موجات الحر، لتأتي معها ظاهرة إزالة وتدمير الغابات، لتكمل النسبة الباقية..

وتظل مخاطر الجفاف وتدهور الأمن الغذائي العالمي، أهم الملفات أمام فؤاد، وندرك أنها تحفظ وتحافظ على رسالتها: "الاستدامة ليست ملفاً تقنياً، بل قضية كرامة وحق كل طفل في مستقبل آمن".

[email protected]

كلمات البحث
الأكثر قراءة