لماذا الهند مهمة لمصر؟

31-12-2025 | 14:34

لماذا الهند مهمة لمصر؟ سؤال مهمٌّ، والإجابة هي أن مصر والهند هما قوتان صاعدتان حديثتان، وتتعاونان لتعزيز الاستقلال، وليس للهيمنة على بعضهما البعض. ومنذ حضوره للقاهرة يؤكد لي الصديق سوريش ريدي السفير الهندي في حوارات ممتدة معًا أن القاهرة ونيودلهي تربطهما شراكة إستراتيجية، تزداد أهمية بمرور الوقت، مشيرًا إلى أن البلدين يعملان على تعميق هذه الشراكة وتنويع مجالاتها، لاسيما فيما يتعلق بالتجارة والاستثمار.

وأوضح أن الهند تعد مستثمرًا كبيرًا في مصر، وحجم استثماراتها يقرب من خمسة مليارات دولار، والمزيد من المشاريع قيد التنفيذ، وسوف تضيف عشرة مليارات دولار أخرى، ليصل إجمالي الاستثمارات إلى 15 مليار دولار، وبالأمس حضرت ندوة ناقشت تعاون مصر والهند في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو أحد وجوه التعاون.

وفي وقتٍ تتشكل فيه السياسة الدولية بشكل متزايد بفعل الضغوط والتبعية والتحالفات ذات المحصلة الصفرية، تبرز العلاقة بين مصر والهند كمثال نادر للتعاون الإستراتيجي دون هيمنة، فبناءً على عمق حضاري مشترك وإرث عدم الانحياز، لا تحرك هذه الشراكة اليوم المساعدات أو الأيديولوجيا، بل الإنتاج والتكنولوجيا والاحترام المتبادل للسيادة.

تنظر مصر إلى الهند كقوة عالمية صاعدة توفر لها الوصول إلى الأسواق، والتعاون الصناعي والتوازن السياسي دون شروط مُقيِّدة، بينما ترى الهند في مصر بوابة مستقرة إلى إفريقيا والعالم العربي وأوروبا عبر قناة السويس؛ باختصار، لا تدور العلاقات المصرية الهندية حول البقاء أو المكاسب قصيرة الأجل، بل حول توسيع الاستقلال الإستراتيجي لكلا البلدين في عالم متعدد الأقطاب بشكل متزايد.

ولو تأملنا الجوهر الإستراتيجي للعلاقات المصرية الهندية، فإنها شراكة إستراتيجية طويلة الأمد تقوم على المساواة في السيادة، والإنتاج الاقتصادي، والتوازن الإستراتيجي المتبادل ضمن نظام دولي متعدد الأقطاب، ويمكن القول إن الركائز الأساسية لها تقوم على عدة أمور أبرزها: أولًا الاستقلالية الإستراتيجية؛ حيث تسعى الدولتان إلى شراكات متنوعة لتجنب الاعتماد المفرط على أي قوة عالمية منفردة، مما يعزز حرية تحركها.

وثانيًا الإنتاج قبل التبعية حيث تعطي هذه العلاقة الأولوية للتصنيع، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، بدلاً من المساعدات، أو الديون، أو التجارة البحتة. وثالثًا التكامل الجيوسياسي؛ لأن مصر تتيح للهند الوصول إلى أسواق إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا؛ بينما توفر الهند لمصر حجم السوق العالمي، والخبرة الصناعية، والتوازن الدبلوماسي.

رابعًا مبدأ عدم التدخل، وذلك نظرًا لأن التعاون خالٍ من الشروط السياسية، مما يعزز الثقة والاستقرار على المدى الطويل. وخامسًا التوافق مع الجنوب العالمي؛ لأن هذه الشراكة تعزز مكانة البلدين ضمن مجموعة البريكس، ومجموعة العشرين، وأطر الجنوب العالمي الأوسع.

وأحسب أن القيمة الإستراتيجية لمصر من وراء علاقتها مع الهند تكمن في أن الهند تلعب دور الشريك المتوازن بين مشاركة الصين القائمة على البنية التحتية، والنهج الغربي المشروط الذي يركز على الأمن، وذلك من خلال دعم تنمية مصر دون المساس بسيادتها.

ولم يعد خافيًا أن الهند قوة عالمية صاعدة، فهي واحدة من أسرع الاقتصادات الكبرى نموًا ولاعب رئيسي في آسيا والجنوب العالمي.

ومن ناحية أخرى لابد من التوقف عند الأهمية الاقتصادية والتجارية للهند، فهي سوق ضخمة، حيث يوفر تعداد سكان الهند، "أكثر من 1.4 مليار نسمة"، فرصًا هائلة للصادرات المصرية، مثل الأسمدة، والمواد الكيميائية، والطاقة، والمنتجات الزراعية.

ومن هنا على الأرجح أن نشهد نموًا مطردًا لحركة التجارة في المستقبل، ويشهد التبادل التجاري الثنائي حاليًا نموًا مطردًا، مع طموحات للوصول إلى أحجام أكبر في السنوات المقبلة.

وفي الوقت نفسه هناك الاستثمارات الهندية في مصر، حيث تستثمر الشركات الهندية في قطاعات النسيج، والمواد الكيميائية، والأدوية، والبلاستيك، والطاقة المتجددة في مصر، كما يمكن لمصر أن تستفيد من الخبرة الهندية في مجال التصنيع منخفض التكلفة.

تنشط أكثر من 55 شركة هندية في قطاعات متنوعة باستثمارات إجمالية تتجاوز 4 مليارات دولار أمريكي، وتساهم هذه الشركات مجتمعةً بأكثر من مليار دولار أمريكي سنويًا في الصادرات المصرية، وشهد العام 2023-2024 طفرةً في الاستثمارات الهندية في مصر، حيث استثمرت خمس شركات هندية حوالي 175 مليون دولار أمريكي في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

وتتواجد 500 شركة هندية في قطاعات متنوعة كالملابس والزراعة والكيماويات والطاقة والسيارات والتجزئة وغيرها، وتوفر هذه الشركات مجتمعةً فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لحوالي 38 ألف مصري.

وليس خافيًا أهمية قناة السويس والربط البحري، حيث تعتمد الهند اعتمادًا كبيرًا على قناة السويس للتجارة مع أوروبا والبحر الأبيض المتوسط.

وتنظر مصر إلى الهند كمستخدم وشريك رئيسي طويل الأمد في مجالات الخدمات اللوجستية، والشحن، وتطوير الموانئ. ويدعم هذا التعاون طموح مصر في أن تصبح مركزًا عالميًا للتجارة والنقل.

ومن جانب آخر هناك التعاون الدفاعي والأمني، ومن أبرز المجالات التعاون في الصناعات الدفاعية، حيث تمتلك الهند صناعة أسلحة محلية متنامية، مما يوفر لمصر بدائل تتجاوز الموردين الغربيين والروس التقليديين.

وفي الوقت نفسه هناك مكافحة الإرهاب والأمن البحري، فالقاهرة ونيودلهي لهما مصالح مشتركة في تأمين الممرات البحرية، "البحر الأحمر، المحيط الهندي"، ومكافحة التطرفـ، كما يتزايد التبادل والتدريب العسكري.

ومن جانب آخر تحتل الطاقة والتكنولوجيا مساحة مهمة في آفاق التعاون، وهنا تأتي الطاقة المتجددة؛ حيث إن الهند رائدة في مجال الطاقة الشمسية، وهو أمر بالغ الأهمية لانتقال مصر نحو الطاقة النظيفة.

ومن جانب آخر هناك الصناعات الدوائية؛ نظرًا إلى أن الهند مركز عالمي للصناعات الدوائية، تدعم قطاع الرعاية الصحية والأمن الدوائي في مصر، ولا يخفى أهمية التحول الرقمي؛ حيث يمكن أن يتوسع التعاون في مجالات تكنولوجيا المعلومات، والتكنولوجيا المالية، والشركات الناشئة.

ويبقى أن ثمة ميراثًا طويلًا من الروابط الثقافية والتاريخية، حيث تعود العلاقات إلى عهد ناصر ونهرو، وهي متجذرة في التعاون المناهض للاستعمار، وهذه الثقة التاريخية تضفي عمقًا ومتانة على العلاقات الحديثة، وفي اللحظة الراهنة هناك عهد عبدالفتاح السيسي وناريندرا مودي؛ حيث تبرز عملية التوازن السياسي والإستراتيجي، وتحافظ الهند على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وإيران، ودول الخليج.

وهذه المرونة الدبلوماسية تجعل الهند شريكًا قيمًا لمصر، التي تسعى بدورها إلى علاقات خارجية متوازنة، وتكتسب مصر شريكًا آسيويًا قويًا لا يتدخل بشكل كبير في السياسة الداخلية، ويمكن القول باختصار إن الهند تعد ذات أهمية بالنسبة لمصر؛ لأنها تجمع بين حجم السوق، والوزن الإستراتيجي، والتوازن الدبلوماسي، والاستقرار طويل الأمد، ودون ضغوط سياسية.

وأحسب أن هذه شراكة مهمة تستحق الرعاية.. ولنا وقفة أخرى.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: