الحلم لا يحال للتقاعد.. د. أنور عبد اللطيف.. دكتوراه بعد الستين

31-12-2025 | 13:15
الحلم لا يحال للتقاعد د أنور عبد اللطيف دكتوراه بعد الستيند.أنور عبد اللطيف
د.إيناس يس
الشباب نقلاً عن

تصوير: علاء عبدالبارى

موضوعات مقترحة

كنت أجلس فى قاعات المحاضرات كطالب بالدراسات العليا ويجاورنى طلاب كنت أحاضر لهم بمرحلة البكالوريوس
كانت لدى تساؤلات لم أستطع الإجابة عنها خلال مشوارى المهنى.. فقررت استكمال دراساتى بعد المعاش
عشت حالة اغتراب منذ طفولتى.. وطباخ مديرة مكتب هيكل كان السبب فى عملى بالأهرام


 بعد أكثر من أربعة عقود من العمل الصحفي، عاد إلى مقاعد الدراسة، حاملاً ذات الحماس الذى بدأ به رحلته فى بلاط صاحبة الجلالة، ليحصل على درجة الدكتوراه بعد الستين ويحقق حلمه المؤجل، ليثبت أن الشغف لا يشيخ.. حديثنا عن الدكتور أنور عبد اللطيف مدير التحرير التنفيذى السابق للأهرام ومحاضر الإعلام بعدد من الجامعات المصرية.
يعود د. أنور عبداللطيف إلى بداياته حيث يقول: ولدت فى عزبة بهى الدين التابعة لقرية سنفا بمركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية، حيث عشت حالة الاغتراب منذ طفولتى، فمدرستى الابتدائية كانت على بعد ٥ كم من قريتى، ثم انتقلت لمدرسة ثانوية بقرية أخرى تابعة لمحافظة الدقهلية أيضاً، أما دراستى الجامعية فكانت بكلية الإعلام بجامعة القاهرة وتخرجت فيها سنة ١٩٧٨.


ويحكى د. أنور عبد اللطيف عن أحد المواقف التى لاتزال عالقة بذهنه، ويقول: فور تخرجى توجهت إلى مبنى جريدة الأهرام ووقفت أمام البوابة الزجاجية الأوتوماتيكية، وقتها انبهرت، وسألت في نفسى "معقول أدخل هذا المبني مثل هؤلاء الصحفيين وأكون جزءا من هذا الصرح العريق؟!"، دفعنى هذا القلق لأن أمضى مسرعاً تاركاً هذا الحلم، وقررت بعدها أن أذهب للتدريب بجريدة الجمهورية، وشجعنى على ذلك مضمون جريدة الجمهورية الشعبى الجماهيرى، فى الوقت الذى انطبع فى أذهاننا كطلبة أن مضمون جريدة الأهرام موجه للنخبة بطريقة تميل للتحليلات السياسية، وكان الالتحاق بالعمل بها حلما بعيد المنال، بعدها عملت بمؤسسة دار الشعب، وكانت مهمتى اليومية تنصب على إعداد تقرير حول أحد الموضوعات التى اهتمت بها الصحف، يتضمن أهم المعلومات التي تم نشرها حوله بالإضافة لرؤيتى الشخصية عن الزوايا الغائبة التى لم تغطها الصحف حول هذا الموضوع، كانت هذه التجربة أشبه بورشة تدريب يومية على التفكير النقدى والتحليل، بل يمكنني القول أنها كانت أول دروس التربية الإعلامية التى انتقلت بي من مقاعد الدراسة إلى الممارسة الحقيقية، وقتها كنت أتقاضى حوالى ١٠ جنيهات تكفى لسداد الإيجار الشهرى لإحدى الشقق السكنية بالقاهرة والتى كانت بمثابة ملتقى لأهالى القرية القادمين إلى العاصمة لإتمام مصالحهم الحكومية وزيارة آل البيت، ومن بينهم كان طباخ من مواليد قريتى اسمه "الشحات عوض الله"، ومن أقدار الله أنه كان يعمل لدى الأستاذة نوال المحلاوى مديرة مكتب الأستاذ محمد حسنين هيكل، وفوجئت به يعطينى "جواب توصية" لها، ويطلب منى الذهاب للأهرام في اليوم التالى لمقابلتها، وكانت هذه اللحظة هى نقطة التحول الحقيقية فى بدايات مسيرتى العملية.


حصل د. أنور عبد اللطيف على السنة التمهيدية للماجستير عقب تخرجه ببضع سنوات، لكن ظل قرار استكمال الدراسات العليا حلماً مؤجلاً بسبب السفر للعمل بالخارج بإحدى المؤسسات الصحفية العربية، وزاده صعوبة بعد العودة لمصر عمله كمخرج صحفى بجريدة الأهرام، وما يتطلبه - لطبيعة هذا العمل- التواجد اليومى وقضاء ساعات طويلة بالجريدة، يقول د. أنور: اتخذت قرار استكمال الدراسات العليا عقب تقاعدى لسن المعاش، لسببين أحدهما عائلى، حيث شعرت بأننى قد أنهيت جزءا كبيرا من دورى تجاه أبنائى بعد تخرجهم في الجامعة وأداء رسالتى الأساسية تجاههم، أما السبب الآخر فهو مهنى ومرتبط بمجموعة كبيرة من الأسئلة حول قضايا مهنية لم أستطع الإجابة عنها من خلال خبرتى وعملى بالصحافة طوال مشوارى المهنى، وشعرت بأننى لن أستطيع الإجابة عنها إلا عن طريق البحث العلمى الممنهج. منها على سبيل المثال التحولات الرقمية المتسارعة وأثرها على العمل الصحفى، فبعد تولي مسئولية الإخراج الصحفى لجريدة الأهرام لمدة 10 سنوات ثم مدير تحرير جريدة الأهرام الرياضي لمدة 20 سنة، مرورا بعملى  بمعظم إصدارات الأهرام ومنها مجلة الشباب ومجلة الأهرام الاقتصادى، بالإضافة إلى عملى كمدير تحرير لمجلة زهرة الخليج. بجانب تأسيس مجلة الأهرام الرياضية السعودية الصادرة عن الشركة السعودية للأبحاث والتسويق، وعملى كملحق ثقافى بجريدة عمان بمسقط.. كل هذه التجارب والتعامل مع مدارس صحفية متنوعة منها على سبيل المثال مدرسة الأستاذ إبراهيم حجازي، ومدرسة الأستاذ عبد الوهاب مطاوع، كلها شكلت لدى ثراء معرفياً كبيراً لم يخل من بعض التساؤلات والمحاور المتشابكة التى تحتاج لتفسيرات واضحة.


الغريب أن د. أنور عبداللطيف بدأ كمحاضر بعدد من كليات الإعلام المصرية قبل اتخاذه قرار استكمال الدراسات العليا. يسترجع ذلك قائلاً: طلبت منى الدكتورة ليلى عبد المجيد التى كانت تشغل منصب عميد كلية الإعلام بجامعة الأهرام الكندية، إلقاء عدد من المحاضرات لطلاب قسم الصحافة حول الإخراج الصحفى من واقع خبراتى المهنية وبشكل عملى، كذلك شجعنى كثيرا دكتور مرعى مدكور عميد كلية الإعلام بجامعة ٦ أكتوبر على استكمال مسيرة الماجستير والدكتوراه بعد أن عملت كمحاضر لطلاب قسم الصحافة بالكلية.


وبابتسامة يسرد د. أنور مفارقة عاشها كمحاضر لمرحلة البكالوريوس وطالب بمرحلة الدراسات العليا بنفس الكلية فى ذات الوقت، حيث يقول: كنت أجلس فى قاعات المحاضرات كطالب بالدراسات العليا يجاورنى طلابى الذين كنت أحاضر لهم بمرحلة البكالوريوس، يخاطبوننى بـ "دكتور". أتذكر فى إحدى محاضرات د.ندية القاضى تساءلت "هم ينادونك يادكتور لماذا؟ ألست طالباً مثلهم؟"، وعندما علمت أننى أنور عبد اللطيف الصحفى بالأهرام، اندهشت ورحبت بى بشدة وأخبرتنى بأن جزءا كبيراً من رسالتها للدكتوراه كان حول صفحات مجلة الأهرام الرياضى التى كنت أشرف عليها، وأن اسمى قد تكرر كثيراً برسالتها.
يرى د. أنور أن الصحافة فى ظل أزماتها الراهنة تحتاج إلى البحث العلمى حتى توضع على المسار السليم، ويأمل أن كل من لديه خبرة أو تجربة مهنية قيمة أن يوظفها في مجال البحث العلمى، ويستكمل قائلاً: حصلت على الماجستير من كلية الآداب جامعة المنيا وكانت تجربة ثرية رغم مشقتها، وقتها لم أكتف بالماجستير وقررت بعدها استكمال الدكتوراه.


وحول لحظات الإحباط وفقدان الشغف، يقول د. أنور: فى بعض اللحظات كنت أقف وأتساءل لماذا كل هذا التعب وكل هذه المشقة، وقد وصلت لكل ما أريده فى مسارى المهني!، خاصة عندما كنت أواجه مواقف مربكة نتيجة تواجدى بين طلابى القدامى كزميل لهم، ولكن كان كل ما يحيط بى كأنه يدفعنى لاستكمال المسيرة، بدءاً من الدكاترة بالكليات التى كنت أحاضر بها كخبير، مروراً بأسرتى الصغيرة، زوجتى التى كانت تعتبر مساندتى واجباً أسرياً ، خاصة أنها تعمل فى نفس المجال وتشغل منصب مدير تحرير الأخبار، وأبنائى، وحتى بعض الزملاء بالأهرام. وكنت أردد دائماً حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:"إذا قامت الساعةُ وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها".
وبعيون لامعة يملأها الفرح والفخر يحكى د.أنور عن لحظة نطق لجنة المناقشة قرار منحه درجة الدكتوراه، ويقول: كل ما مررت به من تعب وجهد وسنوات طويلة فى جمع المادة العلمية قد تلاشى فى تلك اللحظة المميزة.

د.أنور عبد اللطيف مع الزميلة د.إيناس يس


 د. أنور عبد اللطيف حصل على درجة الدكتوراه بدرجة مرتبة الشرف الأولى، وحول موضوع الرسالة يقول، قمت بدراسة التغير فى القيم الخبرية فى إطار تعدد المنصات الرقمية وانعكاساتها على أنماط السلوك الإخبارى للجمهور، وقد أثنت لجنة المناقشة على الرسالة والمجهود العلمى المبذول بها، وكان التحدى الأكبر بالنسبة لى أن معظم خبراتى السابقة هى فى إطار العمل الصحفى الورقى التقليدى، وكان هذا من أهم الدوافع لى وهو أن أتعرف على العالم الرقمى الذى أصبح يسيطر ليس فقط على الإعلام بل على الحياة بشكل عام.
 يوجه د. أنور رسالة لجيل الشباب قائلاً: الحلم دائماً هو الوقود الحقيقى للحياة، فيجب أن يكون لدى كل إنسان بجانب أهدافه قريبة المدى، أهداف أخرى "استراتيجية" بعيدة المدى يسعى ويكرث كل العوامل المحيطة لتحقيقها، هذا السعى يجعل الحياة رحلة مستمرة لا تتوقف عند محطة واحدة. 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: