التحرش جريمة يندى لها جبين الأحرار

31-12-2025 | 13:59

بدايةً نطرح سؤالًا مهمًا، هل التحرش في كل صوره أصبح ظاهرةً تفشت في مجتمعنا المصري؟!، وإذا كان ذلك كذلك فما الأسباب التي أدت إلى انتشارها على نطاق واسع؟!

وثمَّ سؤال آخر، كيف يمكن التصدي لدحر هذه الظاهرة والتخلص منها؟!

أيضًا ما الدور المنوط بكل من تُمارس ضدَّه هذه الرذيلة، هل يصمت حتى لا يفتضح أمره، خصوصًا ونحن نحيا في مجتمع مكلمي، بمعنى يحب كثرة القيل والقال، مجتمع فضولي يسعى دائمًا إلى التلصص على خصوصيات الغير؟ أم ينبغي عليه أن يخبر الجهات المعنية لاتخاذ الإجراءات القانونية ضد مرتكب هذا الفعل المشين؛ حتى يكون عبرةً لكل من تسول له نفسه الإقدام على هذه الموبقة التي تضرب المجتمع في صميمه، بمعنى تضرب المجتمع في أخلاقه وقيمه وعاداته وتقاليده، وتثير الرعب والقلق في شوارعنا ومدارسنا وجامعاتنا، وفي وسائل المواصلات وغيرها.

نحاول أن نتناول الموضوع بمنتهى الموضوعية من أجل أن نضع أيدينا على الداء وتشخيصه بغية محاولة إيجاد علاج ناجع للتخلص من هذه الموبقة.

هل التحرش أصبح ظاهرة؟!

التحرش موجود منذ القدم، لكن لم يكن أحد يتحدث لأسباب متعددة ذكرتها في مطلع حديثي، لكن مع تطور العصر، وتقدم وسائل التقنيات الحديثة، ووسائل التواصل الاجتماعي، وتركيب الكاميرات في الشوارع والأماكن العامة والمحلات والمدارس والجامعات.

فأضحى الأمر ملحًّا للكشف عن هوية هؤلاء المتحرشين، ليس هذا وحسب، بل وامتلك الناس الجرأة للتحدث ولتقديم بلاغات عن هؤلاء الذين أصنفهم -إن جاز لي- بالمرضى النفسانيين.

أما بالنسبة لصور التحرش، فهي كثيرة، أخطرها التحرش الجنسي، فالمتحرش حيوان شهوته جامحة لا يفرق بين صغير أو كبير، صبي أو صبية، المهم عنده أن يشبع شهواته لا يهمه دين، ولا قيم، ولا أخلاق، فهو شخص مريض عبد لشهوته، مغيب العقل، فاقد للإنسانية، فهو أشبه ما يكون بذئب في صورة إنسان يتحين الفرصة لكي ينقض على فريسته، في وسائل المواصلات تجده يمارس هذه الرذيلة مستغلًا الزحام، في دور السينما، في المدارس، سواء العامة أو الخاصة، حتى في دور العبادة، شاهدنا ذلك عبر فيديوهات انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي.

إلا أن ثمة نوعًا آخر من التحرش، هو التحرش اللفظي، عن طريق التلقيح بعبارات نابية وألفاظ بذيئة على المارة في الطرقات، ألفاظ مقززة تصم لها آذن الأحرار والحرائر عند سماعها.

أيضًا هناك صنف آخر من التحرش، التحرش الكتابي، كأن تكتب فكرًا راقيًا في شتى صنوف المعارف وتنشره على مواقع التواصل الاجتماعي أو في الصحف، فتجد من يتحرش بما تكتبه، دونمًا نقد أو انتقاد، وإنما بغية إلحاق الأذى والضرر بالغير، وهذا يعد في حد ذاته مرضًا نفسيًّا.

أو كالذي يتربص بزميل له لغيرة منه، كأن يتحرش بمشروعه فيسعى بشتى الطرق لإفساده حتى يهينه أمام مرؤوسيه أو زملائه، وقد جسدت الدراما المصرية جميع هذه الصور.

أما التحرش النفسي والمعنوي فيتمثل في المضايقات اللفظية، التهديدات، أو الضغوط النفسية، بهدف إبعاد الفرد وعزله عن المجتمع وتحطيمه معنويًّا وإيذائه نفسيًّا.

كذلك هناك نوع آخر من التحرش، هو التحرش الإلكتروني ويكون ذلك عن طريق إرسال الصور المسيئة أو الرسائل الفاحشة، وهو من إشاعة الفاحشة، قال تعالى: (إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
أو استخدام الذكاء الاصطناعي في اقتحام خصوصيات الآخرين وخصوصًا النساء.

لكن السؤال الملح ما موقف القانون الإلهي، والقانون الوضعي من هذه الرذيلة؟

لقد كان للقرآن الكريم موقف صارم من هذه الجريمة، فالتحرش محرم شرعًا في الإسلام ويعد جريمة وكبيرة من الكبائر، تحرم آياته وأحاديثه، يقول تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا).

أما القانون الوضعي فعقوبة التحرش في مصر تتراوح بين الحبس والغرامة، وقد تصل إلى السجن المشدد أو المؤبد في حالات معينة، حيث تبدأ من سنتين لأربع سنوات وغرامة تصل إلى ثلاثمائة ألف جنيه، وتشدد العقوبة إلى سبع سنوات أو أكثر في حالات السلطة الوظيفية أو الأسرية، أو إذا تم ارتكابها جماعيًّا، أو استخدام سلاح، أو في مكان العمل أو المواصلات، وقد تصل إلى السجن المؤبد إذا تطورت إلى اعتداء جنسي، مع تشديدات خاصة للتحرش الإلكتروني أو بالأطفال.

وكما ذكرنا آنفًا، فإن هذه جريمة أخلاقية يندى لها جبين كل إنسان حر متمسك بدينه وبقيمه وأخلاقه.

ويبقى السؤال كيف نتصدى لمثل هذه الجرائم التي تضرب مجتمعنا في صميمه وتصيبه في مقتل؟

أولًا: ضرورة توجيه خطاب إعلامي مستنير يوضح خطورة هذه الظاهرة إذا ما انتشرت في مجتمعنا، ولا يكون ذلك إلا من خلال استضافة علماء في علم النفس والاجتماع، وخبراء في التربية.

ثانيًا: تكثيف الدوريات الأمنية في شوارعنا خصوصًا في المناطق العشوائية والتصدي بمنتهى القوة والحزم لمن يضبط متلبسًا.

ثالثًا: تغليظ عقوبة من يرتكب مثل هذه الأفعال المشينة عن طريق عدالة ناجزة ومحاكمته محاكمة عاجلة.

رابعًا: توجيه أنظار أولياء الأمور والأوصياء على الحدث والصبيان، وأيضًا على من تُمارس ضدَّهنَّ هذه الرذيلة من الكبار إلى عدم السكوت، وتحرير محاضر في أقسام الشرطة ضد من يقوم بهذا الفعل.

خامسًا: عن طريق خطاب ديني توعوي عبر منابر معتبرة لتوضيح خطورة هذا الفعل، وما يترتب عليه من أضرار بالمجتمع وتوضيح أن الدين والشرائع تجرم هذه الأفاعيل.

سادسًا: على الأسرة دور مهم لا يمكن غض الطرف عنه وذلك عن طريق متابعتهم لذويهم خصوصًا الأطفال والشباب في سن المراهقة، ما يقرءونه، ما يشاهدونه، ما يلبسونه.

سابعًا: شلة الأصدقاء، فالصاحب ساحب، إما أن يأخذ بأيدي صاحبه إلى النجاة أو يقوده إلى التهلكة، فضرورة ملحة تشديد الرقابة على شلة الأصدقاء.

ثامنًا: على المؤسسات التعليمية دور لا يمكن تجاهله في هذا الموضوع، فضرورة ملحة تخصيص جزء من الحصص التدريسية أو المحاضرات الجامعية وتفعيل ما يسميه بمقرر القيم الخلقية والإرشاد النفسي.

أستاذ الفلسفة بآداب حلوان

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة