عيد الميلاد المجيد هو أحد الأعياد السيدية الكبرى، ويعتبر ثاني أهم الأعياد المسيحية بعد عيد القيامة، حيث يمثّل ميلاد السيد المسيح حدثًا محوريًا في الوعي الإنساني يجمع بين كل شعوب العالم باختلاف دياناتهم، فالانتقال من سنة ميلادية إلى أخرى، لحظة مشتركة توحّد الإيقاع الإنساني عالميًا، لحظة يتوقف عندها الإنسان ليتأمل مسيرته، نقطة فاصلة بين زمنٍ مضى بكل ما حمله من تجارب، وزمنٍ آت مفتوح على الاحتمالات.
وعلى الرغم من أن التقويم الميلادي نشأ مرتبطًا بحدث ديني، هو ميلاد السيد المسيح، فإن تحوّله عبر القرون إلى تقويم عالمي جعل من رأس السنة مناسبة إنسانية عامة، تتجاوز الانتماءات الدينية والثقافية. ففي حين يحتفل المسيحيون غربًا وشرقًا بالميلاد المجيد من زاوية دينية، يحتفل به مسلمو العالم على خلفية دينية وثقافية أيضًا، فدينيًا هم يؤمنون بعيسى النبي عليه السلام، كلمة الله، ويقدرون مكانته ومعجزاته. أما ثقافيا فالمسلمون، على اختلاف عصورهم، تعاملوا مع التاريخ الميلادي بوصفه تقويمًا عالميًا أصبح لغة مشتركة بين الأمم، يُستخدم اليوم في مجالات الدولة والتعليم والبحث العلمي والمعاملات اليومية، وبجانب قيمته التنظيمية الحضارية، فلهذا التقويم قيمة تأملية وشخصية؛ إذ يقف كل منا عند لحظة الانتقال تلك، ليعيد تقييم ما أنجزه، ويخطط لما ينوي تحقيقه، فيتحول الزمن من مجرد تواريخ إلى مسار واعٍ يعاد ترتيبه، لتحمل السنة الجديدة قيمة رمزية تُحمِّل الإنسان شعورًا بالبدء من جديد.
ويختلف الاحتفال بعيد الميلاد المجيد بين الكنائس الشرقية والغربية، ففيما تحتفل بها الكنائس الأرثوذكسية يوم 7 يناير من كل عام (وفقًا للتقويم القبطي) تحتفل به الكنائس الكاثوليكية يوم 25 ديسمبر وفقًا للتقويم الغريغوري وهو التقويم الذي تتبعه معظم دول العالم.
لقد حدد آباء الكنيسة أن عيد الميلاد يوافق يوم 29 كيهك (في أطول ليلة وأقصر نهار) وذلك في مجمع نيقية عام 325 م. لكن في عام 1582 م، أيام البابا غريغورى، بابا روما، لاحظ العلماء أن يوم 25 ديسمبر لا يقع في أطول ليلة وأقصر نهار، بل وجدوا أنه يجب تقديم التاريخ بمقدار عشرة أيام ، ذلك أن هناك خطأ في حساب طول السنة؛ إذ أن الأرض تكمل دورتها حول الشمس مرة كل 365 يومًا و5 ساعات و48 دقيقة و46 ثانية، أي أقل من طول السنة السابق حسابها (حسب التقويم اليولياني) بفارق 11 دقيقة و14 ثانية ومجموع هذا الفرق منذ مجمع نيقية عام 325م حتى عام 1582 كان حوالي عشرة أيام، فأمر البابا غريغوري بحذف عشرة أيام من التقويم الميلادي، وسمي هذا التعديل بالتقويم الغريغوري.
على مدى السنوات التالية لتبني الكنيسة الكاثوليكية للتقويم الغريغوري، بدأت الدول في أوروبا والعالم في تبنيه تباعًا، وكانت دولة اليونان هي آخر من تبناه في أوروبا عام 1923. وإلى اليوم تحتفل الكنائس الكاثوليكية بعيد الميلاد المجيد بإقامة القداس مساء 24 ديسمبر من كل عام، وهذه الكنائس تشمل الكنيسة القبطية الكاثوليكية وكنيسة المارون الكاثوليك وكنيسة الروم الأرثوذكس والكنيسة الأسقفية الأنجليكانية. وبينما أصبح التقويم الغريغوري هو المستخدم في الغرب، رفضت الكنائس الأرثوذكسية الشرقية تطبيق تعديلات غريغوريوس، أو تبني التقويم، لأنه في نظرهم كاثوليكي، ذلك على خلفية الانشقاق العظيم بين الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية والكنيسة الغربية الكاثوليكية نتاج قرون من الخلافات اللاهوتية والسياسية، ولكن لهذا حديثٌ آخر. وما زالت جميع الكنائس الأرثوذكسية الشرقية تحسب موعد عيد القيامة وفقًا للتقويم اليولياني قبل تعديله، والذي أصبح الآن متأخرًا بـ 13 يومًا عن التقويم الغريغوري، وهذا ما يفسر الاختلاف في تاريخ الاحتفال بعيد الميلاد بين الشرق والغرب.
وعلى الرغم من اختلاف المرجعيات الدينية والثقافية، فإن الجميع يتشارك نفس اللحظة الزمنية، ما يعزز مفهوم العالم الواحد والمصير الإنساني المشترك. وهكذا، يظل عيد الميلاد المجيد أكثر من مجرد ذكرى دينية، بل هو مناسبة لإعادة قراءة الإنسان لنفسه، وللعالم من حوله، في ضوء رسالة السلام التي حملها الميلاد إلى التاريخ.