مع مطلع عام 2026، نجد الشرق الأوسط أمام مفترق طرق تقني وإستراتيجي لم يسبق له مثيل في تاريخه الحديث، الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ قبل عقد من الزمان كمجرد أداة لتحسين الإنتاجية والخدمات، أصبح اليوم معيارًا جديدًا للقوة، ومفتاحًا للنفوذ السياسي، وأداة اقتصادية وأمنية في الوقت نفسه.
وفي هذا السباق، تظهر دولة الاحتلال الإسرائيلي كقوة متفوقة نسبيًا على باقي دول هذه المنطقة، بعدد 55 مركز بيانات، وهي تستثمر خبراتها في الذكاء الاصطناعي ليس فقط لتعزيز قدراتها الدفاعية، بل أيضًا كأداة للقوة الناعمة، من خلال ما أطلقت عليه "دبلوماسية الذكاء الاصطناعي"، والتي تتضمن تصدير برمجيات مثل برنامج بيجاسوس ضمن شراكات أمنية وتجارية مع دول العالم.
السعودية والإمارات، من جانبهما، تتابعان خطى إسرائيل، لكنهما تعتمدان على قدراتهما المالية الضخمة لاستثمارات واسعة في البنية التحتية والتقنيات الدفاعية، فيما تأتي مصر في موقع أقل نسبيًا من حيث عدد المراكز، لكنها تمتلك ميزة لا تقل أهمية، وهي امتلاك قاعدة واسعة من الكفاءات البشرية الماهرة التي قد تشكل العمود الفقري لريادة مستقبلية إذا ما أُحسن توظيفها.
وهنا يبرز السؤال الأول: هل السباق الإقليمي للذكاء الاصطناعي يرفع مستوى الابتكار والتنمية، أم أنه يعمق فجوة النفوذ والمكانة بين الدول؟ والإجابة على هذا السؤال قد تكون مرتبطة ليس فقط بعدد المراكز أو حجم التمويل، بل أيضًا بالقدرة على بناء منظومة متكاملة تجمع بين المال والموهبة والرؤية الإستراتيجية.
وفي السياق نفسه، تظهر مسألة السيطرة على البيانات بوصفها سؤالًا محوريًا؛ فمن يمتلك البيانات ومن يحدد كيفية استخدامها؟ إن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد خوارزميات، بل هو بيانات، ومن يتحكم في مفتاح هذه البيانات يملك القدرة على رسم المستقبل. وهذا يقودنا إلى أحد أكبر تحديات القرن الواحد والعشرين، وهو تحدي السيادة الرقمية. فهل ستظل الدول منتجة حقيقية أم مجرد مستهلكة للمعرفة والتقنيات المستوردة؟
وبينما تتقدم الدول في السباق التقني، يبرز سؤال أخلاقي وقانوني آخر بالغ الأهمية، وهو من المسئول إذا أخطأت أنظمة الذكاء الاصطناعي؟ وكيف نحمي الخصوصية، ونمنع التمييز الخوارزمي، ونتجنب الانحياز في اتخاذ القرارات التي تؤثر على حياة المواطنين؟ هذه الأسئلة لم تعد نظرية، بل أصبحت تحديات يومية تحتم على الحكومات وضع أطر واضحة للحكم على أنظمة الذكاء الاصطناعي، وإلا فإن هذا التقدم قد يتحول إلى أداة توتر داخلية وخارجية.
ومن بين التحديات الكبرى الأخرى تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل في عام 2026؛ فالأتمتة السريعة، وزيادة الاعتماد على أنظمة الذكاء الاصطناعي، تطرح السؤال المهم التالي: ماذا عن ملايين الوظائف التقليدية التي قد تختفي؟ وهل هناك سياسات لإعادة تأهيل القوى العاملة؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون وسيلة لتقليل الفجوة الاجتماعية، أم أنه سيزيدها تعمقًا؟ وقد يصبح هذا السؤال بالذات أكثر إلحاحًا في مصر والدول ذات الكثافة السكانية العالية، حيث القوى البشرية المتاحة هائلة، ولكن فرص توظيفها لم تعد مضمونة.
وإضافة إلى ذلك، هناك تحدٍ آخر يتعلق بالاستقلال المعرفي والثقافي. فهل تستطيع الدول العربية إنتاج نماذج ذكاء اصطناعي تفهم اللغة العربية، والسياق الاجتماعي، والتاريخ المحلي، والدين؟ إن الاعتماد على نماذج أجنبية قد يعيد إنتاج تحيزات لا تتناسب مع احتياجات المنطقة العربية، ما يطرح تساؤلًا إستراتيجيًا حول قدرة الدول العربية، وفي مقدمتها مصر، على الحفاظ على هويتها الثقافية في هذا العصر الرقمي.
أما على مستوى القوة، فإن الذكاء الاصطناعي أعاد تعريف مفهومي القوة الصلبة والناعمة معًا. إسرائيل تستخدمه في القوة الناعمة، والدول العربية تطمح إلى دمجه في القوة الصلبة، عبر تطوير الطائرات والمنصات البحرية المستقلة.
والسؤال هنا ليس تقنيًا فقط، بل أخلاقي وأمني؛ هل يمكن ضبط سباق التسلح الرقمي، أم أننا أمام سباق قد يخرج عن السيطرة، ويعيد إنتاج النزاعات التقليدية بصيغ جديدة؟
وأخيرًا، يبقى السؤال المركزي، وهو من سيقود ومن سيتبع في هذا السباق؟ التجربة تشير إلى أن التفوق لن يتحقق بالاعتماد على التكنولوجيا وحدها، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة من التعليم المتقدم، والبحث العلمي، وحوكمة البيانات، والأطر القانونية والأخلاقية، وقدرة الدول على الاستثمار في الإنسان بقدر استثمارها في الآلة.
وبناءً على كل ذلك، يمكن القول إن الإجابة على الأسئلة المصيرية حول الذكاء الاصطناعي في عام 2026 ستكون بمثابة المحك الحقيقي لقدرة الدول على صياغة مستقبلها، وحماية سيادتها، وضمان استقرار مجتمعاتها. كما أن نتائج هذا الاختبار الصعب سترسم، على الأرجح، ملامح المنطقة العربية والشرق الأوسط لعقود قادمة.
رئيس وحدة العلاقات الدولية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية