الكاميرا.. من التوثيق إلى اقتحام الخصوصية

29-12-2025 | 12:36

ظاهرة مقيتة تصاعدت وتيرتها خلال السنوات الأخيرة، حتى صارت اعتيادًا وحقًا من جانب مصادرها، وذلك باقتحام مساحات إنسانية خاصة للمشاهير في المجالات المختلفة، فنانين ولاعبين وغيرهم، تُسدد الكاميرات تجاههم في موقفٍ إنساني قاسٍ، أو وسط أسرته وأصدقائه في تجمع عائلي، وفي مشاهد العزاءات والجنازات والمرض، لتتحول الكاميرا من وسيلة لتوثيق اللحظات الطيبة ومشاركة البهجة، إلى أداة فجة وسبب في ضجر الناس وزيادة أحزانهم.

فهل يمكن النظر إلى هذه الظاهرة وهذا السلوك باعتباره سلوكًا فرديًا أو اجتهادًا إعلاميًا أو تكليفًا برصد اللحظات الإنسانية الخاصة للهدف المقصود أيًا كان حاله، وأيًا كان الموقف الذي يعيشه أو يحاول أن يتجاوزه؟ أظن أن الأمر مهما كان وصفه، فإنه يعد انعكاسًا لاختلال عميق في المفاهيم، وسوء فهم العلاقة بين الشهرة والخصوصية، وحق موجه الكاميرا المطلق والمحدد في المعرفة، وحق المستهدف في الاحترام وحفظ الكرامة.

وقد أثارت وقائع مؤسفة مؤخرًا تتعلق بتصوير بعض الأشخاص في ظروف غير ملائمة جدلًا كبيرًا، بعد تداول هذه اللقطات؛ سواء بالصور الفوتوغرافية أو الفيديوهات، مما دفع للتساؤل عن الضوابط القانونية في هذا الشأن، ووفقًا لقانون العقوبات تنص المادة 309 مكرر من (قانون العقوبات) على أن يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة كل من يعتدي على حُرمة الحياة الخاصة عن طريق التقاط أو نقل صورة لشخص في مكان خاص دون رضاه، وتنص المادة 309 مكرر (أ) على أن من ينشر أو يداول هذه الصور دون موافقة صاحبها يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة مالية، بينما نص قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (رقم 175 لسنة 2018) على أنه يعاقب بالحبس والغرامة المشددة كل من انتهك الخصوصية عبر الإنترنت أو وسائل التقنية الحديثة، غير أن الأمر بالنسبة للمجتمع، لابد أن يكون في اتجاه إنساني أعمق من القانون وضوابطه، حيث إن النزعة القيمية في المجتمع والحس الديني يجب أن يترجم إلى واقع يُمارس على الأرض، وإلى وعي كان من المفترض أن يكون فطريًا، بما يجب وما لا يجب، وما يليق وما لا يليق، فتصوير فنان أو لاعب في جنازة، أو في لحظة انهيار، أو مرض، أو حزن عائلي، وتسليط الأضواء المزعجة على لحظة ضعفه، في وقت يحتاج فيه إلى احتوائه كإنسان مثل البشر، يحزن ويفرح ويحب ويكتئب ويغضب ويشعر بكل المشاعر، فإن هذا الأمر يتعارض صراحة مع مقاصد الدين في صيانة الكرامة والرحمة والستر.

ولا يوجد مطلقًا داخل القيم المجتمعية المتعارف عليها أو في أصول التعامل لمن يعزون السلوكيات إلى المصدر أو الأصل، ولا في الدين ما يبرر انتهاك حياة إنسان بهذه الصورة لمجرد أنه مشهور، وبذريعة أعدها خطأ جسيمًا وشائعًا بأن حياة المشهور جميعها ليست ملكه وحده، لا حياة الإنسان الخاصة أي إنسان تخصه وحده، والواجب أنه كلما اشتد الضعف، تعاظم واجب الستر.

يُروى أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عندما سمع غناءً في بيت رجل، فتسور الجدار ودخل عليه، فاحتج الرجل قائلاً: "يا أميرَ المؤمنين، إن كنتُ عصيتُ اللهَ في واحدة، فقد عصيتَ أنتَ اللهَ في ثلاث: تَجسَّستَ، ودخلتَ بغيرِ إذن، ولم تُسلِّم"، فتراجع عمر وقال: "صدقتَ"، في هذا الموقف بالغ الدلالة نرى الخليفة يتدارك خطأه معترفًا به، فمَن مِن هؤلاء الذين يتطفلون على الناس ببجاحة وجلدٍ سميك من مراسلي نوافذ تحت السلم أو صانع محتوى رخيص، فكر أن يتراجع عن سلوكه الفج، أو يراجع نفسه وضميره إن كان ذا ضمير؟ فالقيم والدين وكل الأعراف الإنسانية القويمة ليست فقط تطالبنا بكف الأذى، لكن أيضًا مطلوبٌ منا التعفف عن الفضول، وضبط مؤشر العين على النزاهة قبل ضبط اليد على أزرار الترصد والترقب، وضبط ميزان الضمير قبل ضبط وضعية الكاميرا.

إن الفنان أو ما يوازيه في المجتمع من أشخاص معروفة للجماهير، مهما بلغت شهرتهم أو اتسعت دائرة حضورهم في الوعي العام، يظلون في نهاية المطاف أناسًا، قبل أن يكون كل منهم في حساب الشخصية العامة، فلا يليق أن تُسقِط هذه الشهرة التي يستوجبها عمله حقه الطبيعي جدًا في الحزن، ولا يصح أن تُجرده من حقه في الصمت أو التعبير عن ذاته الإنسانية في لحظات الضعف والهشاشة والانكسار، فإذا كان الفن مشاعًا للرائين، فإن اللحظات الإنسانية والفقد خارجة عن أي تفويض مهنيًا كان أو أخلاقيًا. ثم كيف يمكن استساغة أن تكون الجنازات وسرادقات العزاء والواجب الذي يُؤدى تجاه الإنسان المكلوم، حدثًا عامًا في إطار إخباري أو احتفالي؟

من المؤسف حقًا أن تتورط بعض الوسائل والمنصات الرقمية في مثل هذا السلوك المشين الذي يفتقر إلى الأخلاق والآداب، ومن المؤسف ألا نستطيع إعفاء الجمهور من مسئولية المشاركة في مثل هذه الظاهرة؛ لأن اللهاث وراء مثل هذه المقاطع، والمتعة في تداولها والتعليق عليها، يوجد بالطبع هذا الطلب المستمر عليها، ليشجع على مزيد من الانتهاكات.

إذن من يرفع الكاميرا في وجه إنسان ليس المنتهك، بل كل من يمده بشرعية في سلوكه يعد شريكًا بالضرورة سواء بالمشاهدة أو المشاركة، وبالتالي لابد من إعادة المفاهيم إلى نصابها وفهم أن احترام المساحة الإنسانية للوجوه العامة احترام لحق المجتمع في حياة بلا ملاحقة، وبلا عدسات تتربص بالضعف.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة