قدر عشته رفيقة الصمت المطبق، لا فرار منه ولا قدرة على تغييره فقد كنت أتلاشى شيئا فشيئا حتى يلتهمنى العدم، أعيش فى نفسى أكثر ما أعيش خارجها، أصاحب الخوف الذى يحيطنى برعدة تفتت اعصابى مرغمة عليه وكأن الدنيا قد لفظتنى وغادرنى أقرب الناس لى فيها، لا أعرف شيئا فى أيامى غير الإنتظار أياما طويلة كمد السنين فى عمق الزمن وليال باردة تأكلنى سهادا، يمتد الظلام فيها بلا بارقة أمل لتباشير صبح لا يأتى.
موضوعات مقترحة
عندما تجاوزت طفولتى إلى طور الشباب، رأيت نفسى فى عيون الناس وكأننى فتاة استثنائية تمتلك من أسباب الجمال ما يجعلها هدفا لكل راغب فى امتلاكه بصك عبودية أبدى.. واحاطتنى تلك العيون الجائعة بسياج من الحلم الخادع حتى أوقعتنى الأقدار فى شباك عنكبوتية ناعمة كالحرير، ولكنها حادة تدمى روحى ولا أشعر بها، تقتل بهجة الحياة فى نفسى ليل نهار.
تلك حالى منذ أن التقطنى صياد ماهر يعرف كيف يقتنص فريسته وأودعنى فى قفص من ذهب بصك عبودية أبدى يسعد له الناس وتشقى أيضا من سوء الاختيار، حبا أعمى أو زواجا قدريا لفتاة سيقت من بيت أبيها كذبيحة فى صباح يوم العيد.
كنت أعرف أنى زوجة وعلى أن أضع اللبنة الأولى فى بناء صرح حياتى المستقبلية مع الرجل الذى ساقته الأقدار لى، وتفانيت فى بذل نفسى وروحى له حتى أحسست أنى أمسك بأسباب السعادة و أرتب حياتى عليها ولكنها سعادة من طرف واحد، أو لعلى أوهمت نفسى بها وصدقتها لكى لا أواجه حقيقة مرة سرعان ما باتت واقعا يفرض سطوته على وهى أنى زوجة مع إيقاف التنفيذ..!
أجل.. لم يمض على زواجى شهرا حتى غادرنى زوجى القدرى ليس نفورا منى أو لعيب فى وإنما حجته فى السفر خارج البلاد للعمل و جمع المال الذى يوفر لنا رغد العيش والسعادة الحقيقية.
.. وعلى أن أنتظره شهورا طويلة أتكور على نفسى،يتملكنى الخوف وتحتلنى الرعدة وحيدة، لا أبرح زنزانتى حتى يأتينى بضع أيام يلوك ما بقى من أطلال جسد أنهكه الفراق وأفقدته الوحدة قدرته على التعايش او حتى التأقلم...!
يأتينى ثم يغادر وتأكلنى الأيام منفردة، لا يشغلنى شئ فأنا لا أعمل ولست ممن يجيدون الهرب من النفس وأهوائها وليست لى أى هوايات فكان اليوم طويلا بين جدران صماء حتى رجع صوتى فى الفضاء المطبق بخلت على به.
..وكانت رحمة ربى بى كبيرة عندما أحسست بعد أخر زيارة له أن روحا تتولد فى أحشائى، كانت فرحتى عارمة ولكنى أعيشها أيضا بمفردى، أتحسس نفسى وجلة لعلى ألمسه وهو يتحرك ويكبر بداخلى يوما بعد يوم، لم أخجل من نفسى وأنا فى شهور الحمل الأخيرة وقد تحولت إلى بالونة منتفخة.. وجائنى زوجى فى موعده من كل عام وحمدت الله أنه سيكون إلى جوارى أثناء الولادة ولكن سرعان ما تبددت أحلامى وداهمنى الخوف منفردة مرة أخرى وهو يقول لى أنه لن يبقى معى غير أيام قلائل ويعود من حيث أتى ولا أدر إن كان صادقا فى عودته إلى البلد التى يعمل فيها أم أن له حياة أخرى فى الظل لا أعلمها.
عاد ليعمل أو أوهمنى بذلك لم أعد أهتم فقد تلاشت رجولته فى عينى وهو يتركنى على مشارف الولادة وحدى مخلفا وراءه "بهيمة" ليس لها من أسباب الحياة واحتياجاتها غير الطعام والمال تشترى به ما تشاء ولكنه لا يشترى ذلك الإحساس بالأمان والإستقرار.
فى صباح ذلك اليوم شعرت بآلام لم أكن قادرة على تحملها ولولا جارتى التى هرولت على صرخاتى ما كنت أعرف ماذا أفعل ولا كيف أذهب إلى المستشفى لأضع مولودى بلا سند غير جارة ترفقت بحالى.
اختلفت طبيعة الحياة من حولى، بات هناك من يشاركنى أيامى، روح هى بعض منى، طفل تجددت معه حياتى وكأنى لم أكن على قيد العيش قبله، أسكن إلى صرخاته وأحتضنه، يأخذ بعض نفسى رحيقا يستقبل به الحياة فما كنت أرضعه بقدر ما كان يمدنى هو فى براءة مهده بأسباب السعادة التى لم أعرفها يوما.
..وتمضى الأيام على وتيرتها ولكن رفقتى لم تعد صمتا مطبقا، أعلن صغيرى عن وجوده وأسعدتنى شقاواته وهو يكبر يوما بعد يوم، لا أدر بالزمن ولا أبالى إن جاءنى زوجى أم لا فقد تبدل وجوده فى حياتى بهذا الملاك يشاركنى أيامى، إلا أن طفلى بدأ يكبر ويدرك ويسألنى عن أبيه لا يفهم سببا لغيابه الطويل ولا يقبله، ينتظر مكالماته التليفونية بتعلق شديد يريد أن يخبره كيف هو متفوق فى دراسته فلا يقابل منه غير إحساس جاف، بارد، ليعتاد مع الوقت أباه ويحاوطه اكتئاب يكاد ينهك براءته وكان على أن اقترب منه أكثر، أحاول أن أعوضه وأغنيه عن أبيه واحتياجه له..!
لكنى لا أدر هل من الممكن هذا.. وهل أستطيع أن أعوضه عن أبيه الذى حكم على أن أعيش أرملة وعلى إبنه باليتم وهو على قيد الحياة؟
أجدنى أستكين لهذه الحال من العزلة الإجبارية أنا وإبنى فلو أننى انفصلت عنه كيف لى أن ألزمه بتحمل نفقات إبنى وتعليمه أما هو الآن على اغترابه ونفوره لا يتخلى عن التزاماته المالية تجاهنا ولعله يكون سخيا فى ذلك فقط بمنطق يقتنع به وهو أن المال قد يكون تعويضا كافيا لنا عن عدم وجوده.
(ع.م)
شاق جدا ما أنت فيه يا سيدتى فهو أقرب إلى الموت منه إلى الحياة تستعذبين احتياجاتك كإنسانة افتقدت حب زوجها واحتوائه.. غاب عنك السند فى الحياة فبدلا من أن يسكن الزوج الحبيب قلبك أسكنتيه الخوف والترقب الدائم بلا أمل حتى تجسد الأمل طفلا هو طوق النجاة لك وإلا بدونه لم تكن حياتك نفسها تستمر.
..ولكنه هو أيضا يكبر ويحتاج إلى غائب لا يدرك كونه أب ومسئولياته تجاه إبنه وزوجته، لا يعرف أن حق المرأة على زوجها يقوم على المعاشرة بالمعروف، والنفقة، والإحسان، والعدل، وتوفير السكن، وتأمين الاستمتاع والمودة، وحفظ الأسرار، وإكرام أهلها، وذلك تأكيداً لقوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:19] و {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:228]، مع وجوب إكرامها وعدم إهانتها، وتوفير كافة احتياجاتها الأساسية والشرعية، والرفق بها في جميع الأحوال فقد أمر الله الزوج بحسن معاشرة زوجته بالمعروف، وحث النبي صلى الله عليه وسلم على الإحسان إليهن: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:19] و {اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا} [البخاري ومسلم].
أما أمر النفقة فهى حق واجب للزوجة على زوجها وليست عوضا عن غيابه وهو عندما يوفر النفقة من مأكل وملبس ومسكن فهذه رسالته فى الحياة إلى جانب مسئولياته الإنسانية وقال تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق:7] و {وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [مسلم].
..وعلى رأس مسئولياته الإنسانية الإعفاف حيث يجب على الزوج أن يوفي الزوجة حقها في الجماع، وأن يعفها ويؤمن لها مسكنا مناسبا للزوجة، وأن يبيت عندها ليلاً، ويقسم لها في المبيت إن كان له زوجات أخريات بالعدل.
ولابد وأن يدرك زوجك أن الزواج ميثاق غليظ يقوم على الحقوق المتبادلة، ويأمر الله الزوج بالإحسان إلى زوجته وقيامها بالواجبات، وأن يكون خير الناس لأهله.
أما وهو على هذا النحو من اللامبالاة فخيار حياتك فى يدك وإن كنتى قد استطعتى الصبر عليه وأنتى منفردة قبل أن تنجبى فلعلك تستطيعين ومعك ملاك يؤنسك الصبر أكثر ومن أجل صغيرك أيضا حتى يشب وتكتمل رسالتك نحوه وساعتها سبكون صغيرك الآن هو العوض الحقيقى لكى عندما يكبر.