27-12-2025 | 14:22

لا أدري لماذا يخطر ببالي، كلما هممت بالكتابة عن أدب السخرية في تراثنا القديم، تلك النهاية التي لقيها الجاحظ، عظيم أدباء العصر العباسي وأشهر من كتب في هذا الفن. يروي لنا المؤرخون أنه مات محطم الجمجمة، تحت ركام من الكتب التي انهارت عليه وهو في مكتبته، التي أفنى عمره بين رفوفها يكتب ويؤلف.

من هذه المفارقة المؤلمة، أبدأ رحلتي مع كتابين عربيين قديمين، ظن كثيرون أنهما مجرد تسلية للقراء، لكنهما في الحقيقة مرآة واضحة لعصر بأكمله، وفلسفة عميقة في فهم النفس البشرية. "البخلاء" للجاحظ، و"أخبار الحمقى والمغفلين" لابن الجوزي. كتابان يغوصان في عالمين مظلمين من طبائع البشر البخل والحمق. لكنهما لا يقدمان لنا مجرد نوادر طريفة، بل هما رحلة أنثروبولوجية فذة، ووثيقة اجتماعية نادرة، ونقد لاذع للحياة بكل ما فيها.

كان الجاحظ، بلا منازع، ظاهرة فكرية وأدبية فريدة. وهو القادم من البصرة، بملامحه التي قيل إنها قبيحة وجسمه المائل، استطاع بصوته الذهبي وعقله المتقد أن يصل إلى بلاط الخلفاء. لكن الجاحظ الحقيقي لم يكن ذلك الذي يقف في البلاط، فقد كان ذلك الذي يتجول في أسواق البصرة وبغداد، يستمع إلى الناس، يلتقط أحاديثهم، يدرس طبائعهم كما يدرس العالِمُ حشرةً تحت المجهر.

في البخلاء، لا يقدم لنا الجاحظ مجرد مجموعة من القصص عن أشخاص يشحون بمالهم. لا. بل هو ينشئ علاقة جديدة بين القارئ و"العيب" الأخلاقي. إنه يحول البخل من رذيلة مذمومة إلى "ظاهرة اجتماعية" تستحق الدراسة والتحليل. 

انظروا كيف كان يتعامل مع بخلائه؛ ليس بسخرية جافة، بفضول العالم. بل كان يسجل حركاتهم، دقائق أمورهم، حججهم في الدفاع عن بخلهم، وحتى فلسفتهم في الحياة.
أتذكر هنا ذلك البخيل الذي كان يطعم ضيوفه خبزًا يابسًا، فإذا شكوا من صلابته قال لهم مبتسمًا: إنما أردت أن أطيل لكم التمتع بأكله! مثل هذه القصص ليست للضحك فقط، بل هي نماذج لإبداع بشري في الدفاع عن الذات، في تبرير النقص، في خلق منطق خاص موازٍ للواقع.

الجاحظ، بوعيه العميق، كان يدرك أن البخل ليس مجرد شح بالمال، لكنه عقلية. عقلية الخوف من المستقبل، عقلية الاحتفاظ بالذات، عقلية الانهزام أمام الحياة. وهو بجمع أخبار البخلاء من مختلف الأقطار -من خراسان إلى الكوفة إلى البصرة- كان يؤسس لعلم اجتماعي مقارن، يبحث في تأثير البيئة والجغرافيا على تكوين طبائع الناس.

وبعد قرون، جاء الإمام ابن الجوزي، ذلك العالم الجليل، الفقيه الحنبلي، الواعظ المشهور، ليكتب "أخبار الحمقى والمغفلين". قد يتساءل البعض: ما الذي دفع رجلًا جادًا مثل ابن الجوزي، ممن ألف في التفسير والحديث والفقه، إلى تأليف كتاب عن الحمقى؟

في تقديري، كان ابن الجوزي يمارس نوعًا من "العلاج بالكتابة". فالنفس البشرية، حتى نفس العالم الجليل، لا تحتمل الجدية المطلقة. كان يبحث عن متنفس، عن مساحة للراحة من عبء العلم والفتوى. ولكنه، كالعالم الحكيم، لم يجعل هذا المتنفس مجرد لهو، بل حوله إلى درس وعبرة.

يقسم ابن الجوزي كتابه إلى أربعة وعشرين بابًا، كل باب لصنف من الناس. فهو يتحدث عن حمقى النساء، وحمقى العرب، وحمقى الكتاب، وحمقى الأغنياء، وحمقى الفقراء. هذا التقسيم في حد ذاته يدل على عقلية منهجية. هو لا يرى الحماقة صفة مطلقة، فهي تتشكل حسب السياق الاجتماعي والمهني للإنسان.

الفقيه يمكن أن يكون أحمقَ في تجارته، والتاجر يمكن أن يكون أحمقَ في منزله، والرجل الحكيم يمكن أن يكون أحمقَ في تعامله مع زوجته. الحماقة، مثل البخل، ليست سجنًا مغلقًا، هي مساحات متعددة في الشخصية الإنسانية.

ما بين البخل والحمق.. 

تأتي اللحظة الفكرية الفارقة، حين نضع الكتابين جنبًا إلى جنب. ماذا يحدث عندما نقرأ "البخلاء" و"أخبار الحمقى والمغفلين" معًا؟ نكتشف أن هناك علاقة جدلية عميقة بين البخل والحمق؛ أليس البخيل، في نهاية المطاف، نوعًا من الحمقى؟ أليس حريصًا على الدراهم وهو يفقد الأصدقاء؟ أليس مشغولًا بالحياة وهو في حقيقة الأمر يموت فيها؟ وأليس الأحمق، في كثير من الأحيان، بخيلاً بعقله ومشاعره وإنسانيته؟

الجاحظ وابن الجوزي، كل منهما من زاويته، يقدمان تشريحًا للنفس البشرية حين تنغلق على نفسها، حين تختزل العالم في منظور ضيق. البخيل يختزله في ماله، والأحمق يختزله في رأيه. كلاهما يعيش في سجن من صنع نفسه.

وفي قلب هذين الكتابين، تكمن السخرية كأداة فنية وفلسفية عالية. السخرية عند الجاحظ وابن الجوزي ليست تلك السخرية الجارحة التي تهدم، لأنها سخرية المثقف الواعي الذي يريد أن يصلح بالنقد اللطيف. إنها سخرية تحمل في طياتها شيئًا من العطف، شيئًا من "آه لو تعرف". 

انظروا إلى طريقة الجاحظ في سرد حكاية ذلك البخيل الذي كان يخبئ النقود في جرار ويضع عليها ورقة مكتوبًا عليها "فلس". فيموت ويأتي أولاده فيفتحون الجرار ليجدوا كنزًا، وكان بإمكانهم العيش في رغد لو قرأوا الورقة! السخرية هنا ممزوجة بالتراجيديا.

وكذلك ابن الجوزي، يحكي عن ذلك الرجل الذي كان يطوف حول بركة ماء، فسأله أحدهم: لماذا تفعل ذلك؟ فقال: "رأيت القمر سقط في البركة وأنا أنتظر أن يطفو ليأخذها!". 

السخرية هنا لا تستهدف الشخص بقدر ما تستهدف سذاجة الفكرة، وغياب المنطق. هذه السخرية الناعمة، المتدفقة، التي لا تجرح كرامة الإنسان بل تلامس غباء تصرفه فقط، هي ما يجعل أدب الجاحظ وابن الجوزي أدبًا إنسانيًا بامتياز.

في عصرنا هذا، عصر السرعة والصور الملونة، قد تبدو العودة إلى كتب مثل "البخلاء" و"أخبار الحمقى والمغفلين" نوعًا من الترف الفكري. لكني أرى العكس تمامًا.

هذه الكتب هي أكثر ضرورة الآن من أي وقت مضى. لأننا نعيش في زمن انتشر فيه "بخل جديد" و"حمق جديد". بخل المشاعر، حيث أصبح الإنسان بخيلاً بكلمة طيبة، بابتسامة، بمشاعر إنسانية. وحمق التواصل، حيث يظن الإنسان نفسه عبقريًا وهو يرسل رسائل غرور وسطحية على وسائل التواصل الاجتماعي.

الجاحظ وابن الجوزي يعلماننا فن "الملاحظة"، فن أن ننظر إلى أنفسنا وإلى الآخرين بعين ناقدة ولكنها متعاطفة. يعلماننا أن الضحك على أخطائنا ليس عيبًا، بل هو طريق للتعلم. وأن الإنسان ليس كائنًا مثاليًا، وأنه مزيج من العبقرية والحمق، والكرم والبخل.

لو عاد الجاحظ وابن الجوزي إلى حياتنا اليوم، لوجدا مادة خصبة لا تنضب. لبخلنا أساليب أكثر تطورًا، ولحمقنا منابر إلكترونية تصل إلى الملايين. لكن رسالتهما ستظل واحدة: انظروا إلى أنفسكم، اضحكوا على نقائصكم، لا تأخذوا الحياة بجدية مفرطة، فالجادون وحدهم هم من يموتون سحقًا تحت ركام الكتب، أو تحت ركام أفكارهم.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: