انتشرت كثير من المعلومات الخاطئة عن التحرش، وصفات المتحرش والتي تحصره في قليل من الشخصيات، بينما يؤكد الواقع والدراسات النفسية والأبحاث الاجتماعية أن المتحرش لا ينحصر في هذه الشخصيات، بل يتعداها لأخرى غير متوقعة.
نبدأ بالقول إنَّ المتحرش غالبًا يكون من الغرباء؛ وهذا خطأ، فكثيرًا ما يكون من المقربين من أصدقاء الأسرة أو الأقارب، ولا يتوقع أحد ارتكابه لجريمة التحرش أبدًا.
يسود اعتقاد أن شخصية المتحرش وكلامه وتصرفاته يبدو عليها العنف وتخاصم اللطف في التعامل، والواقع يثبت أن المتحرش كثيرًا ما يتعامل بلطف "زائد" مع الطفل حتى يستطيع استدراجه إلى مكان بعيد لينفرد به ويمارس جريمته؛ فلو عامله بعنف فلن يتمكن من استدراجه.
أيضًا من الشائع اعتقاد أن المتحرش قد يكون عاطلًا عن العمل أو يعمل في وظيفة متواضعة أو غير متعلم، والحقيقة أن بعض المتحرشين يعملون في وظائف مرموقة ويحملون أعلى الشهادات ويتمتعون "بسمعة" طيبة، ويتعمدون ذلك لنفي أي شبهات حولهم وأيضًا لسهولة "تكذيب" من يفضح أمرهم من الضحايا وأسرهم.
يتوقع كثيرون أن المتحرش، خاصة إذا كان من نفس الجنس، لا يتزوج ويرفض تكوين أسرة، والواقع يؤكد أن بعض المتحرشين من نفس الجنس يتزوجون ولديهم أبناء ويتمتعون بواجهة اجتماعية جيدة.
كما يربط البعض التحرش بصغر عمر المتحرش، ويشعرون بالأمان "الكامل" عند ترك أطفالهم من الجنسين مع كبار السن، "والمؤسف" أن البعض منهم لا يتورع عن التحرش؛ وبعض جرائم التحرش والاعتداء الجسدي، بل والاغتصاب حدثت في بيت الطفل أو الطفلة، عند مبيت المتحرش في بيت الأسرة التي "تطمئن" لوجوده مع الصغار. ويجب الانتباه عند "السماح" لأي أحد من الأصدقاء أو الأقارب بالمبيت بإغلاق الباب على الصغار مهما كانت الثقة؛ فالوقاية دومًا خير من العلاج.
لا نثير الفزع بالطبع من جميع المعارف والأقارب، بل ننبه إلى "عدم" منح الثقة الزائدة، وتجنب تجاهل بعض المؤشرات والتلميحات، ومحاولات التقرب غير المقبول أو "الزائد" من الطفل، والإكثار من احتضانه، والإصرار على جلوسه بالقرب منهم، أو حمله رغمًا عنه، ويجب تعويد الطفل على "رفض" ذلك من الجميع، وأنه لم يعد صغيرًا ليتقبل ذلك.
من أسوأ الأخطاء الشائعة والمسيئة جدًا والمؤذية لأي طفل تعرض للتحرش، الزعم "الكريه" والمرفوض بأنه سيكون متحرشًا في المستقبل، وأن المتحرش هو ضحية سابقة للتحرش؛ لأن ذلك تبرير "بشع" لجريمته؛ وكأنه مرغم عليها، وكأننا نقول أن من تعرض للسرقة بالإكراه لابد أن يفعل ذلك بالآخرين، وكأننا نؤيد "ونبرر" انتقامه ممن لم يقم بإيذائه للتخلص مما حدث له.
من أسوأ الأخطاء الشائعة أن الطفل كان يستطيع المقاومة!! ولكنه لم يفعل لضعف شخصيته؛ ولكونه جبانًا لم يصرخ بأعلى صوت، "وسهل" للمتحرش ارتكاب جريمته!! والأسوأ عندما لا يكتفي بعض الأهل بذلك بل يسألون الطفل الذي تعرض للتحرش وربما يصرخون في وجهه قائلين: لماذا لم تصرخ وتطلب المساعدة؟ ألم نخبرك بذلك وأعطيناك معلومات كافية عن المتحرشين؟!
ويتجاهلون أن الكبار أيضًا لا يحسنون التصرف أحيانًا عند تعرضهم للصدمة "والغدر" بعد الثقة مع استخدام القوة المفرطة ضدهم فجأة، وأن الصدمة، بل "والفجيعة"، تتضاعف لدى المجني عليه مهما كان عمره؛ عندما يكون المتحرش أو المعتدي من الأقارب، الذين "يفترض" الطفل أو الطفلة منهم "حمايته"، وليس انتهاك حدوده "وخيانة" ثقته هو وأسرته فيه.
تكمن الكارثة في توجيه هذا الاتهام للطفل في أنه يشعره بالعار، وبأنه من تسبب في الأذى لنفسه، وكأنه شريك في الجريمة!! ويفقده الثقة بالنفس "وقد" يدمر شخصيته، أو يجعله أكثر تعرضًا للتحرش لاحقًا؛ لشعوره بالضعف وقلة الحيلة.. وهو ما يكتشفه بعض المتحرشين "فيصطادون" ضحاياهم بسهولة، بعكس الطفل الذي يمنحه الأهل الثقة بالنفس، بلا مبالغة بالطبع، فيصعب على المتحرش اصطياده.
فالمبالغة في اعتداد الطفل بنفسه قد توقعه أيضًا في التحرش؛ لتجاهله التحذيرات، أو لتوهمه أنه "يستطيع" السيطرة على كل موقف صعب قد يتعرض له، ومن الذكاء ألا نلقي أنفسنا في المخاطر؛ لأننا نتوهم مهارتنا في التصدي لها أليس كذلك؟ وهو ما يجب على الأهل تكراره على الأطفال، بل والشباب من الجنسين أيضًا.
حيث يستدرج المتحرش ضحيته ليجعلها تعتمد عليه نفسيًا، ثم يساومها على الخضوع لرغباته أو يبتعد، وقد يرضخ الطفل، أو المراهق من الجنسين، لرغبته في استمرار الدعم النفسي والعاطفي. وأحيانًا للحصول على العطاء المادي.
ويجب على الأهل الانتباه إلى أطفالهم كيف يقضون أوقاتهم؟! ومع من؟! ومن أين يحصلون على الاهتمام والهدايا؟! ومن يستمع إليهم، ويقوم بحل مشاكلهم ويلجأون إليه؟!
ولا يفرحون أن هناك من يقوم "بالدعم" بدلًا منهم؛ ليس لإغلاق أبواب التحرش فقط، ولكن لمنع "سيطرة" أي أحد -مهما كان قربه أو طيبته ولو كان محترمًا- على أطفالهم، ولتجنب ابتعادهم عن الأهل عاطفيًا ونفسيًا ولو بعد حين أيضًا، وقد يتسبب في خضوعهم نفسيًا وعاطفيًا لغيرهم من المنحرفين، فيسهل تعرضهم للتحرش، والأسوأ "قبولهم" له.