ثورة طاقة الرياح في الإمارات: كيف تكشف «مصدر» عن موردٍ خفي وتُحوّله إلى فرصة إستراتيجية

25-12-2025 | 12:15
ثورة طاقة الرياح في الإمارات كيف تكشف ;مصدر; عن موردٍ خفي وتُحوّله إلى فرصة إستراتيجيةالدكتور عمر شرف أستاذ هندسة الطاقة جامعة هيريوت-وات دبي

الدكتور عمر شرف، أستاذ هندسة الطاقة، جامعة هيريوت-وات دبي

موضوعات مقترحة

تشتهر دولة الإمارات بقدرتها المتقدمة في تبنّي تقنيات الطاقة المتجددة، حيث تمتد مساحات واسعة من الألواح الكهروضوئية تحت أشعة الشمس. ورغم أن الطاقة الشمسية ستشكّل 92% من إنتاج الطاقة المتجددة بحلول عام 2023، فإن تحقيق الهدف الوطني لتوليد 44% من الكهرباء من مصادر نظيفة بحلول عام 2050 يتطلب توسيع نطاق الحلول إلى ما يتجاوز الاعتماد على الشمس وحدها. فالتحديات المرتبطة بالحرارة العالية وتراكم الغبار تؤثر في كفاءة الألواح الكهروضوئية وعمرها التشغيلي، وهي عوامل تجعل تنويع مصادر الطاقة المتجددة ضرورة إستراتيجية.

تتوسع دولة الإمارات العربية المتحدة بثبات خارج نطاق الهيدروكربونات التقليدية والطاقة الشمسية الكهروضوئية بفضل امتلاكها واحدة من أكثر محافظ الطاقة تنوعًا في المنطقة، وهدفها قصير المدى المتمثل في مضاعفة قدرتها على إنتاج الطاقة المتجددة ثلاث مرات لتصل إلى 14 جيجاواط بحلول عام 2030. في الواقع، تعمل دولة الإمارات العربية المتحدة على الاستفادة من الموارد المحلية من خلال اللجوء الى تقنيات بديلة مثل الطاقة النووية، والطاقة الشمسية المركزة، وتحويل النفايات إلى طاقة، والطاقة الكهرومائية المخزنة بالضخ، والهيدروجين الأزرق والأخضر، والفحم النظيف، واحتجاز الكربون واستخدامه، ومؤخرًا، طاقة الرياح. تقود هذا التنوع الاستراتيجي شركة "مصدر"، الشركة الرائدة فى مجال الطاقة النظيفة ومقرها أبوظبي. يُجسّد دخول دولة الإمارات إلى طاقة الرياح على نطاق واسع طموحها فى التطور التكنولوجي وقدرتها على التخطيط الدقيق لإعادة تشكيل مشهد الطاقة، وتحويل مورد كان يُعد غير قابل للاستغلال في الماضي إلى عنصر محوري في شبكة الكهرباء المستقبلية.

التغلب على جدل حول طاقة الرياح:

كانت طاقة الرياح على نطاق المرافق (والتي تتطلب سرعة رياح سنوية متوسطة تبلغ 6 أمتار في الثانية) غير مجدية في دولة الإمارات العربية المتحدة بسبب انخفاض سرعات الرياح. ولذلك، اقتصرت الجهود المبكرة على مشاريع تجريبية وتوربينات رياح صغيرة الحجم ذات محور رأسي (VAWTs) في التطبيقات خارج الشبكة. وجاء هذا الإنجاز من رسم خرائط أعمق لموارد الرياح في الدولة. وبينما كانت إمكانات الرياح البحرية محدودة بالفعل، كشفت المسوحات المكانية عن حقيقة مفاجئة، تتعارض بشكل مباشر مع الأنماط العالمية.

أظهرت الدراسات أن نحو 20% من أراضي دولة الإمارات، خاصة في المناطق الغربية والجنوبية الغربية، تتمتع بمتوسط سرعات رياح يصل إلى 7.5 متر في الثانية أو أكثر على ارتفاع 150 مترًا، فيما تسجّل بعض المناطق سرعات تقارب 9 أمتار في الثانية. وتمتاز هذه المناطق بكونها مناطق مفتوحة في معظمها، ومنخفضة الكثافة السكانية، ما يهيئ ظروفًا مثالية لتوليد اضطرابات رياح مناسبة للطاقة. والأهم أن هذه الرياح البرية تبلغ ذروتها ليلًا، وتنخفض في ساعات بعد الظهر، وهو نمط زمني سيشكّل لاحقًا عنصرًا محوريًا في الإستراتيجية الكاملة لتطوير طاقة الرياح.

انطلاقة "مصدر": من الاكتشاف إلى ربط الشبكة

انطلقت "مصدر" نحو التنفيذ مُتسلّحةً بهذه البيانات الجديدة، ومستفيدةً من التطورات التكنولوجية في تصميم التوربينات، وأبراجها الأطول، وشفراتها القادرة على التقاط سرعات الرياح المنخفضة إلى المتوسطة بتكلفة معقولة. وفي عام ٢٠٢٣، أطلقت الشركة برنامج الإمارات لطاقة الرياح الرائد.

يُمثّل هذا المشروع، الذي تبلغ قدرته ١٠٣.٥ ميجاوات، ويضم ٢٣ توربينًا، كل توربين منها ٤.٥ ميجاوات، موزعة على أربعة مواقع: جزيرة صير بني ياس، وجزيرة دلما، والسلع، والحلة، أول مزرعة رياح على مستوى المرافق الخدمية في الدولة تُغذّي الشبكة الوطنية بالطاقة. وقد مثّل ذلك دليلًا قاطعًا على أن طاقة الرياح في الإمارات لم تعد مجرد فكرة، بل واقع ملموس.

على الرغم من هذه الخطوات الأولى المهمة، إلا أن الإمكانات الكاملة لا تزال مذهلة. تشير الدراسات إلى أنه إذا تم تطوير 60% فقط من مساحة الأرض، بمتوسط ​​سرعة رياح سنوية يبلغ 7.5 متر/ثانية أو أكثر، كمزارع رياح، فإن إنتاج طاقة الرياح قد يتجاوز إجمالي استهلاك الكهرباء الحالي في البلاد. وبفضل انخفاض تكاليف التوربينات، وتبسيط اللوائح الحكومية واتفاقيات شراء الطاقة، والتصور العام الإيجابي للطاقة الخضراء، فإن حجة الرياح في الإمارات العربية المتحدة أقوى من أي وقت مضى.

الشريك المثالي: لماذا تُعد طاقة الرياح والطاقة الشمسية أفضل معًا

لعل أهم رؤية إستراتيجية هي أن طاقة الرياح في الإمارات العربية المتحدة ليست منافسًا للطاقة الشمسية، بل هي شريكها المثالي. تتكامل أنماط توليد الطاقة اليومية للموردين بشكل رائع. يبلغ توليد الطاقة الشمسية ذروته خلال فترة الظهيرة المشمسة عندما تكون الرياح في أدنى مستوياتها، بينما تبلغ طاقة الرياح البرية، كما اكتُشف، ذروتها ليلًا عندما لا تتوافر الطاقة الشمسية. يقلل هذا التآزر من تقطع مصادر الطاقة المتجددة، مما يعزز موثوقية الشبكة ويسمح بتوافق أفضل بين العرض والطلب. وفي نهاية المطاف، يمكن لطاقة الرياح أن تتجاوز الحاجة إلى تخزين البطاريات الباهظة الثمن وغير المستدامة لتحويل الطاقة الشمسية إلى المساء. تُعزز هذه العلاقة التكاملية أيضًا أولوية وطنية أخرى، ألا وهي الهيدروجين الأخضر. يسمح تناوب ذروة الطاقة بين الطاقة الشمسية نهارًا وطاقة الرياح ليلًا لمحطات التحليل الكهربائي بالعمل بمعامل قدرة أعلى وأكثر كفاءة. يُترجم هذا مباشرةً إلى تكلفة هيدروجينية متساوية أكثر تنافسية (LCOH)، مما يضع دولة الإمارات العربية المتحدة كمركز مستقبلي للهيدروجين الأخضر.

انطلاقًا من رؤية مصدر، تستغل دولة الإمارات العربية المتحدة مصدرًا قويًا وغير متوقع للطاقة. من خلال تسخير طاقة الرياح البرية في الدولة، حيث تكون تكاليف الاستثمار أقل بكثير من البحرية، أصبحت طاقة الرياح جزءًا لا يتجزأ من مزيج الطاقة المتنوع. إنها عنصر أساسي في تلبية الطلب المحلي على الكهرباء، والذي من المتوقع أن يتضاعف ثلاث مرات بحلول عام 2050، كل ذلك مع الالتزام الراسخ بمسار الدولة نحو تحقيق صافي انبعاثات صفري. لم تعد ثورة الرياح تلوح في الأفق؛ بل إنها تهب بالفعل في جميع أنحاء دولة الإمارات العربية المتحدة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: