في حقيقة الابتلاء!!

24-12-2025 | 15:57

سأبدأ مقالتي بعبارة مقتبسة من حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أشد الناس ابتلاءً الأنبياء، ثم الذين يلونهم، فالأمثل فالأمثل".

فإن البلاء والابتلاء وجهان لعملة واحدة كما ذكر أهل اللغة وكما ورد في معاجم اللغة العربية.

لكن لنا وجهة نظر تختلف قليلاً، وجهة نظر كونتها من خلال رؤية مفكر ومتفلسف؛ أرى أن البلاء يقع من شخص على أهله أو عشيرته، أو بيئته التي يعيش فيها كبلاء العملاء والخونة الذين يبيعون أوطانهم لمن يدفع أكثر، فهؤلاء وأمثالهم بلاء على أوطانهم، أو مثلاً بلاء يقع على مريض تم تشخيصه خطأً من طبيب متهور أو مستهتر، فيكون هذا الطبيب بلاءً على مهنة الطب وبالتالي على المرضى.

قيسوا على ذلك بلاءات في كل المجالات، فالبلاء هنا ينتقل من الشخص ذاته إلى من يحيط به ويتعامل معه؛ فيكون بلاءً شخصيًّا يمتد أثره إلى الآخرين فيتحول إلى ابتلاء.

أما الابتلاء فهو الاختبار الذي يضع فيه الإله الإنسان ليمتحن صبره، هل سيصبر على المحنة التي ألمت به أو المصيبة التي أحاطته؟ كمن يفقد عزيزًا مثلاً كأن يموت ولده، فهل سيصبر على هذا الابتلاء؟ أو كمن يفقد تجارته ويخسرها أو تكسد، أو كمن يبتلى في عمله كأن تلفق له اتهامات بالباطل أو يضطهده مديره، أو كأن يعزل من عمله.

أو كمن يبتلى في ولده فيمتحن بولدٍ عاقٍ غير بارٍ بوالديه اجتمعت حوله رفاق السوء فأوهموه أنه على حق في كل ما يفعل فيقودونه إلى المخدرات وما يترتب عليها من رزايا وبلايا ومنها عقوق الوالدين.

أو كمن يبتلى بزوجة غير صالحة تذيقه سوء العذاب فتجعل حياته ضنكًا، أو تصاب الزوجة وتبتلى بزوج لا يعاملها بما يرضي الله فيهينها ويضربها ويسطو على راتبها رغماً عنها إن كانت تعمل.

أو كمن يبتلى بجار له ليس له هم إلا أذيته هو وآل بيته، حقدًا وحسدًا وضغينةً، وصنوف الإيذاء كثيرة وأشدها السحر وأبغضها الحسد، ووضع القاذورات في طريقه وغيرها كثير.

أو كمن يبتلى بالأمراض الكثيرة التي ما إن يبرأ من إحداها، تلاحقه الأخرى، فيقضي حياته ما بين الأطباء والمشافي، إما كشوفات أو إجراء عمليات جراحية.

ثم أشد أنواع الابتلاءات، الابتلاء في الدين، وذلك عن طريق فتور الهمة والتكاسل عن العبادة والطاعة وهذا النوع أخفها، أما أشدها فهو التحول عن قبلة الإسلام وهذا أشد أنواع البلايا، بل تلك المصيبة العظمى التي استعاذ منها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، عندما قال: "اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا الذي هو عصمة أمرنا". لذا فإن أدعية الرسول التي كان يدعو بها: "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك".

لكن الله تعالى عليم بحالنا ويعلم بقلوبنا ويعلم مدى قدرتنا على تحمل البلاء، فلا يمكن بحال من الأحوال أن يبتلي الإنسان ببلية يختار معها الكفر.

لذلك جاء حديث النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يبتلى المرء على قدر دينه"، بمعنى على قدر إيمانه وعلى قدر تحمله لهذا الابتلاء.

وإذا ما تعقلنا المسألة وعرضناها على عقولنا، سنجد المنطق يقول ذلك، فكيف باللطيف الخبير يضع عبده في اختبار لا يتحمله؟ أين نحن من قوله تعالى: (الله لطيف بعباده)، ولطفه هنا احتواؤه لعبده وشموله بعنايته، ومن مظاهر اللطف أن يهيئ له الأسباب التي تعينه على تحمل هذه البلايا، فيلهمه الصبر فلا يجزع ولا يصيبه الضيق والضجر: (ونبلوكم بالخير والشر فتنة).

ولنا في أنبياء الله الأسوة والقدوة الحسنة، فابتلاءاتهم عظيمة لا نستطيع نحن أن نتحمل حتى جزءًا منها، لكنهم صبروا ولم يخالط صبرهم جزع ولا ضجر ولا ضيق. ورب قائل يقول نحن لسنا أنبياء، والأنبياء معصومون، نقول لكنهم وقعت عليهم ابتلاءات كبيرة.

ألم يبتلَ نبينا الكريم في وفاة أولاده الذكور، وزوجه السيدة خديجة، وعدم إسلام عمه، وإخراجه من مكة المكرمة، وعندما قذفه أهل الطائف بالأحجار حتى تورمت قدماه؟ هل جزع أم صبر؟ صبر قائلاً: "إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون".

ألم يبتلَ إبراهيم عليه السلام في ولده الوحيد عندما أتاه أمر الله بذبح ابنه، والابن ماذا فعل؟ هل امتعض أم صبر وامتثل لأمر الله تعالى؟

ألم يبتلَ أيوب بالداء العضال، ثم ابتلاؤه في زوجه وأهل بيته؟ ثم ابتلاء البتول الطاهرة السيدة مريم عليها السلام، إنه لابتلاء عظيم لا تتحمله أي سيدة على وجه الأرض، لكنها صبرت فأتتها البشارة والطمأنينة.

ثم ابتلاء سيدنا يوسف وإلقاؤه في البئر صبيًّا، وإلقاؤه في السجن شابًّا، ماذا فعل؟ صبر، فأتاه البشير، ماذا فعل والده يعقوب؟ صبر قائلاً: (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله)، شكواه ليست جزعًا وإنما تضرع إلى الله متبتلاً ذاكرًا الله تعالى متعبدًا فنظر الله إلى حاله ورد عليه بصره ورد إليه ضالته.

نعم إن أشد الناس ابتلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، وقصص الصالحين الذين تعرضوا للابتلاءات كثيرة لا يتسع المجال لسردها، لكن نذكر منها واحدة للعبرة والعظة، ابتلاء أحمد بن حنبل رحمه الله، محنة خلق القرآن ووضعه في السجن وجلده؛ لأنه لم يقل بخلق القرآن وظل ثابتًا على موقفه، القرآن الكريم كلام الله تعالى ليس مخلوقًا وإنما قديم.

وابتلاءات أهل الفكر في كل زمان ومكان، فمنهم من نُكل به، ومنهم من أحرقت كتبه ومنهم من نُفي من بلده ووطنه، ومنهم من أُلقي في السجون، ومنهم من اعتزل القوم حتى مات في بيته لم يعلم به أحد.

نعم صدقت سيدي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما قلت صدقًا: "إن أشد الناس بلاءً الأنبياء فالأمثل فالأمثل". صدقت حينما قلت: "يبتلى المرء على قدر دينه وإيمانه".

فيا أصحاب الابتلاءات، لا تهنوا ولا تحزنوا ولا تجزعوا واصبروا وصابروا، فإنكم بأعين الله تعالى، وصابروا لحكم ربكم فإنكم بأعينه التي لا تغفل ولا تنام. (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا). صدق الله العظيم.

أستاذ الفلسفة بآداب حلوان

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: