منذ بداية تطبيق منظومة توزيع السلع التموينية والخبز في أواخر الثلاثينيات وحتى الآن، وذلك بتوزيعها على المواطنين أصحاب البطاقات التموينية؛ وهم غالبًا محدودو الدخل، تم إجراء أكثر من تعديل على هذه المنظومة لتناسب الظروف الاقتصادية وأيضًا إصلاح العوار بها، والحد من الإهدار والتسرب الذي يذهب لغير المستحقين. وتضاعفت مخصصاتها في الموازنة العامة للدولة كل فترة حتى وصلت الآن إلى نحو 160 مليار جنيه في العام الحالي، منها 124 مليار جنيه مخصصة لدعم الخبز لخدمة 70 مليون مواطن، بينما تم تخصيص 36 مليار جنيه لباقي السلع التموينية.
وهذا الدعم الآن ليس دعمًا عينيًّا، بل هو دعم نقدي مشروط، حيث مخصص لكل مواطن على بطاقة التموين نحو 50 جنيهًا شهريًّا حتى الفرد الرابع، ومن الخامس فأكثر كل فرد مخصص له 25 جنيهًا، ولا يستطيع أن يصرف ذلك نقدًا، ولكن يشتري بها سلعًا من محلات البقالة التموينية ومشروع جمعيتي، وفروع المجمعات الاستهلاكية وشركتي الجملة، بالإضافة إلى تخصيص 150 رغيف خبز شهريًّا لكل فرد بقيمة 20 قرشًا للرغيف، كما يحصل على سلع مجانية في حالة توفيره في استهلاك الخبز وهي المعروفة بـ "نقاط الخبز".
وقد أعلنت الحكومة أنه سيتم تطبيق منظومة الدعم النقدي الجديدة للمستحقين لرغيف الخبز والسلع التموينية، وسيتم تحويل المبالغ المخصصة بشكل كامل إلى "كروت نقود رقمية" متطورة، وذلك لضمان وصول الدعم لمستحقيه الفعليين بأعلى معايير الكفاءة التكنولوجية، وأن لجنة العدالة الاجتماعية سوف تنتهي من الإجراءات التنفيذية المنظمة لعملية التحول خلال الأسبوع الجاري تمهيدًا لبدء التطبيق، مع التأكيد على أن الهدف الرئيسي هو رفع كفاءة الإنفاق العام ومنع حصول غير المستحقين على الدعم لتقليل الهدر في موارد الدولة.
كل ذلك شيء جيد، ولكن يجب الأخذ في الاعتبار عدة نقاط مهمة حتى تؤتي المنظومة الجديدة المرجو منها، وهي ضرورة تنقية البطاقات التموينية من غير مستحقيها الذين لديهم أملاك وعقارات وأراضٍ زراعية وفيلات وشاليهات ورصيد ضخم بالبنوك، وإدخال الكثيرين ممن يستحقون الدعم من الموظفين في الحكومة والقطاع الخاص؛ لانخفاض مستوى دخلهم وليسوا في منظومة الدعم، وغالبيتهم من الطبقة الوسطى وأصحاب مناصب ومكانة اجتماعية وانخفضت قوتهم الشرائية في ظل حالة التضخم والارتفاع الرهيب في الأسعار والخدمات، وهناك أيضًا أصحاب المعاشات والمسنون وأصحاب الأمراض المزمنة والمطلقات والأرامل والأسر المعيلة والعمالة الموسمية الذين ليس لهم بطاقات تموينية، مع ضرورة ربط مبالغ الدعم النقدي بمعدلات التضخم، ومراجعته كل فترة قصيرة حتى يناسب قيمة الارتفاع في الأسعار والخدمات التي تحدث كل فترة.
وأخيرًا ضرورة الإسراع في تطوير منتجات الشركات التابعة للشركة القابضة للصناعات الغذائية، وتضم نحو 43 شركة في مجالات السكر والزيت واللحوم والأسماك والعصائر والمخابز وغيرها من السلع الغذائية وغير الغذائية، ويضخ معظم إنتاجها في منظومة السلع التموينية حتى تستطيع المنافسة عند طرحها بالأسواق مع المنتجات المثيلة بالقطاع الخاص في منظومة الدعم النقدي الجديدة، والذي سوف يصبح المواطن حرًّا في شراء المنتجات التي يرغبها دون فرض منتجات بعينها عليه.