عن الصحة.. نشهد

24-12-2025 | 13:45

في كل بيت مصري، ثمة حكايات تروى بالأنين لا بالكلمات؛ حكاية أب يصارع "المثلث المزمن" من سكر وضغط وأمراض قلب ليظل واقفًا، وأم تذبل ملامحها وهي تطارد "سرابًا" يمنحها حلم الأمومة، وشباب يغتال التبغ نضارتهم ويأكل من رئاتهم في زحام الطرقات وممرات العمل الضيقة. 

انظروا معي إلى ذلك الكيس القابع هناك فوق ظهر الثلاجة، أو في درج المطبخ الذي يأبى الانغلاق من فرط حمولته؛ ذاك الضيف الثقيل الذي لا يغادرنا، علب كرتونية نُهشت أطرافها، وشرائط معدنية فارغة إلا من الألم، وروشتات تآكلت هويتها من كثرة التقليب والبحث عن أمل مرجو. 

هذا الكيس ليس مستودعًا للأدوية فحسب، بل هو "شاهد على الأوجاع"، وسجل لرحلات مرهقة استنزفت أرواحنا قبل ميزانياتنا. 

وهنا يبرز السؤال: هل الصحة منحة ننتظرها عند أبواب المستشفيات، أم أنها قضية تسبق المرض بخطوات؟

إن الصحة في أسمى معانيها هي "حالة الوجود" التي تمنح الإنسان كرامته، وحين نص الدستور على أنها حق، لم يكن يقصد مجرد توفير سرير في غرفة طوارئ، بل كان يرسم ملامح عقد اجتماعي تكون فيه الدولة هي "الحامي الأول" للجسد قبل أن يمسه الضر. 

ولا يمكن لعين منصفة أن تغفل تلك الطفرة غير المسبوقة التي تقودها الدولة المصرية اليوم؛ إذ تضع القيادة السياسية ملف الصحة على رأس أولويات الإنفاق الوطني، متجاوزة لغة الأرقام إلى لغة التأثير المباشر. 

لقد شهدنا كيف تحولت الدولة إلى "طبيب يطرق الأبواب" من خلال المبادرات الرئاسية التاريخية، وعلى رأسها مبادرة "100 مليون صحة"، التي نجحت في تخليص مصر من شبح "فيروس سي" لتصبح نموذجًا عالميًا يُحتذى به، هذا بخلاف مبادرات صحة المرأة، والتوسع في منظومة التأمين الصحي الشامل. 

إن الدولة اليوم تبذل أقصى ما لديها لترميم جسد الوطن، إيمانًا بأن كل جنيه يُنفق على الوقاية اليوم، هو بناء لحصن منيع يوفر على الخزانة العامة وعلى أرواح البشر آلاف الأطنان من الأدوية بخلاف ساعات الألم.

ولكن، كيف نسابق المرض وشوارعنا محاصرة بجيوش من "السموم المقننة"؟ مطاعم الوجبات السريعة تنتشر كالنار في الهشيم، تقدم الموت في أطباق ذهبية مغرية، وتملأ أجواف أطفالنا بزيوت مهدرجة تزرع في أجسادهم ألغام السمنة ووهن القلوب. 

إن الوقاية الحقيقية تبدأ من الرقابة الصارمة؛ فكل وجبة مدمرة تفتقد الرقابة اليوم، هي مشروع مريض مزمن غدًا. 

كما لا تكتمل الحماية إلا باستعادة هيبة القانون في الفضاء العام، وتجريم التدخين بكل حسم في أماكن العمل والمقاهي؛ لنحمي رئة الوطن من تآكل لا مبرر له. 

وفي خضم هذا البحث عن الأمان، تبرز جبهة أشد فتكًا من الميكروبات؛ إنهم "سماسرة الوجع" وتجار الأوهام. لقد كنت حاضرة أحد المؤتمرات الدولية للخصوبة، وحملت سؤالي عن تلك "الصيحات المضللة" التي تغزو الشاشات حول "حقن البلازما لتنشيط المبيض" وحلم الإنجاب، فجاء رد القامة العلمية الكبيرة، الأستاذ الدكتور جمال أبوالسرور، كالقنبلة التي شقت ستر الزيف حين قال: "إنها مجرد وهم.. وسبوبة تتربح منها المراكز التي تبيع السراب".

حين يتحول حلم الأمومة إلى "تجارة"، ويصبح العلم ستارًا للنصب المقنن، فنحن أمام جريمة تستوجب المواجهة بضرب تلك المراكز بيد من حديد، وإخضاع الإعلانات الطبية لرقابة "مجهرية". 

إن حلمنا المشروع هو أن نصل إلى يوم يصبح فيه "كيس الدواء" المنسي فوق الثلاجة أثرًا من الماضي، وأن تكون "الوقاية" هي الاستثمار الأسمى في أغلى ما يملكه الوطن: "الإنسان". 

أحلم بإنشاء "سجل صحي ذكي" لكل مصري، يتنبأ بالمخاطر الجينية والبيئية، وبتحويل مراكز طب الأسرة من مجرد مكاتب تطعيم إلى "منارات حياة" تكون هي خط الدفاع الأول. 

الصحة حق، لكن حمايتها "مسئولية مشتركة"؛ الدولة ترسم الخارطة بإنفاقها ومبادراتها، والمواطن يسير عليها بوعيه. 

إن الدولة التي تسبق المرض بالوقاية، وتسبق المضللين بالقانون، وتصون غذاء أبنائها وهواءهم، هي التي تبني مستقبلًا قويًا. 

فليكن عهدنا مع الحياة أن نكون حراسًا لأجسادنا، وعونًا للوطن في رسم خارطة النجاة التي تضع الإنسان أولًا، وأخيرًا، ودائمًا.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة