لم يعد انتهاك الخصوصية فعلًا استثنائيًا أو جريمة خفية، بل أصبح ممارسة يومية تتم على مرأى من الجميع، وبضغطة زر. صور تُلتقط، ومقاطع تُنشر، وبيانات تُجمع، وخوارزميات تراقب، بينما يقف القانون في كثير من الأحيان عاجزًا عن اللحاق بإيقاع التطور التكنولوجي المتسارع.
موضوعات مقترحة
و خلال السطور التالية، تفتح " بوابة الأهرام"ملف الخصوصية الرقمية بوصفها أحد أخطر الحقوق الدستورية المهددة في عصر الاتصالات والذكاء الاصطناعي، مستندين إلى رؤية الدكتور أحمد القرماني، الخبير القانوني وأستاذ القانون الجنائي، الذي يحذر من أن الخصوصية باتت “مجرد هامش” في عالم تحكمه المنصات الرقمية والبيانات الضخمة.
الخصوصية الرقمية.. من حق دستوري إلى سلعة رقمية
يؤكد الدكتور أحمد القرماني أن الخصوصية لم تعد فقط مسألة أخلاقية أو اجتماعية، بل قضية قانونية وأمنية بامتياز. فالتوسع غير المسبوق في جمع البيانات الشخصية، سواء من قبل الشركات أو المنصات أو حتى الأفراد، حوّل المعلومات الخاصة إلى سلعة رقمية تُتداول دون ضوابط كافية.
ورغم أن الدساتير الحديثة تنص صراحة على حماية الحياة الخاصة وسرية المراسلات وحرمة المسكن، فإن الواقع الرقمي كشف فجوة واسعة بين النص والتطبيق.
الإطار القانوني الحالي..تشريعات تقليدية لجرائم حديثة
وتابع: تتناول القوانين القائمة حماية الخصوصية من خلال نصوص متفرقة في قانون العقوبات، وقوانين الاتصالات، وقوانين مكافحة جرائم تقنية المعلومات، إضافة إلى قوانين حماية البيانات الشخصية.
غير أن الدكتور القرماني يلفت إلى أن هذه النصوص وُضعت في الأساس لمواجهة اعتداءات مادية مباشرة، مثل التنصت أو اقتحام المسكن، وليس انتهاكات رقمية مركبة تتم عبر خوادم ومنصات عابرة للحدود، ما يجعل إنفاذ القانون مسألة شديدة التعقيد.
ثغرات تشريعية تشرعن الانتهاك
ويكشف القرماني مجموعة من الثغرات التي ساهمت في تفريغ الحق في الخصوصية من مضمونه:
غموض مفهوم الخصوصية الرقمية
ويؤكد الخبير القانوني لا تزال بعض القوانين تفتقر إلى تعريف واضح للبيانات الشخصية والبيانات الحساسة والبيانات السلوكية، ما يفتح الباب أمام تفسيرات متباينة.
التصوير والنشر في الفضاء العام الرقمي
يبرز الخلط بين العلانية والخصوصية في قضايا التصوير والنشر عبر الإنترنت. ويستشهد الدكتور القرماني بحادثة تصوير فيديو لفعل فاضح بطريق المحور، حيث لم يُحاسب مصور الفيديو لغياب نص قانوني يجرّم التوثيق في حالة التلبس، رغم الأثر المدمر لنشر المقطع على الحياة الخاصة للأطراف المعنية.
ويرى أن الحل يكمن في تقنين التصوير لأغراض التوثيق فقط، مع حظر البث والنشر العلني.
صعوبة إسناد المسؤولية الجنائية
ولفت إلى أن في الجرائم الرقمية المركبة، تتداخل الأدوار بين المصور والناشر والمنصة، ما يجعل تحديد المسؤولية الجنائية تحديًا حقيقيًا.
اقرأ أيضًا:
الذكاء الاصطناعي.. مراقبة بلا قانون
يشير القرماني إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت تُستخدم في المراقبة والتتبع والتحليل السلوكي دون إطار قانوني صارم، محذرًا من أن غياب التنظيم واضح لهذه التقنيات مما يهدد بتحويل المجتمع إلى فضاء مراقَب، تُنتهك فيه الخصوصية باسم التطور التكنولوجي.
لماذا أصبح التشريع الجديد ضرورة ملحّة؟
بحسب الخبير القانوني، فإن الحاجة إلى تشريع جديد لم تعد خيارًا، بل ضرورة فرضتها عدة عوامل، من بينها التحول الرقمي الشامل، وتضخم الاقتصاد القائم على البيانات، وتزايد جرائم انتهاك الخصوصية عبر المنصات، فضلًا عن الالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان وحماية البيانات.
الإنترنت
ملامح قانون حديث لحماية الخصوصية
يدعو الدكتور أحمد القرماني إلى تشريع شامل يقوم على:
١- تعريفات دقيقة للبيانات والخصوصية الرقمية.
٢- توسيع نطاق التجريم ليشمل الأفعال المستحدثة مثل جمع البيانات دون رضا، وإعادة النشر الضار، واستغلال الأطفال، وتصوير العلاقات الحميمية.
٣- تنظيم استخدام تقنيات المراقبة والذكاء الاصطناعي عبر الترخيص والشفافية.
٤- تعزيز حقوق الأفراد في العلم والاعتراض والمحو والنسيان الرقمي.
٥- فرض عقوبات رادعة تتناسب مع حجم الضرر، مع إقرار المسؤولية الجنائية للشخص الاعتباري.
الخصوصية بين التجربة الدولية والخصوصية الوطنية
و لقت إلى المقترح التشريعي يستند إلى تجارب دولية رائدة، مثل اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات (GDPR) وقوانين الذكاء الاصطناعي الأوروبية، مع التأكيد على ضرورة مواءمة هذه النماذج مع الخصوصية الثقافية والقانونية الوطنية.
و اختتم الدكتور أحمد القرماني الخبير القانوني و أستاذ القانون الجنائي حديثه قائلا: "في عصر الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية، لم تعد الخصوصية مجرد حق فردي، بل خط دفاع أساسي عن كرامة الإنسان، منوهًا على أن إنقاذ الخصوصية الرقمية يتطلب تشريعًا حديثًا يوازن بين حماية الحقوق الفردية ومتطلبات الأمن والتنمية، قبل أن تتحول الحياة الخاصة إلى ذكرى في أرشيف الإنترنت".