24-12-2025 | 00:00

في كرة القدم، لا تقاس الحقيقة دائمًا بما يعلن على لوحة النتائج، فبعض الانتصارات تشبه الرسائل المغلقة؛ قد تخفي بين سطورها قلقًا مشروعًا.. هكذا كان فوز منتخب مصر على زيمبابوي في مستهل مشواره الإفريقي، انتصار يسجل رسميًا، لكنه يترك أسئلة أثقل من النقاط الثلاث.

منتخب مصر، بتاريخ يفرض الهيبة قبل الدخول إلى الملعب، لم يظهر كفريق جاء ليكتب فصلًا جديدًا من المجد، بل كفريق يبحث عن اتزانه، فبدا الأداء متقطعًا، ورد الفعل متأخرًا، وكأن المباراة كانت اختبارًا أكثر منها خطوة واثقة نحو اللقب الثامن.

فنيًا، لا يمكن تجاهل ما حدث في قلب الدفاع، فالهدف الذي استقبلته شباك مصر لم يكن نتاج عبقرية هجومية، بل ثمرة خطأ بدائي في التمركز من حسام عبدالمجيد، خطأ لا يبرر في البطولة القارية الكبرى، ولا من منتخب مرشح لحصد اللقب.. الدفاع، بخطوطه المتباعدة وارتداده البطيء، بدا هشًا أمام هجمات كان يمكن إجهاضها في مهدها.

وفي حراسة المرمى، ظهر الارتباك في لحظات لا تحتمل التردد، فالثقة، وهي رأس مال حارس مصر الأول، بدت مهزوزة أمام كرات سهلة، وفي البطولات الكبرى تحسم المباريات بتفاصيل صغيرة، فقد يصبح الخطأ البسيط بوابة مفتوحة للخروج المبكر.

أما وسط الملعب، فكان الغائب الأكبر خصوصًا بعد تبديل إمام عاشور بعد مرور 30 دقيقة من عمر اللقاء، فالمسافات بين الخطوط اتسعت، والضغط تلاشى، ففقد منتخب مصر السيطرة على إيقاع اللقاء.. المنافس، رغم تواضعه، تحرك بأريحية، وكأن وسط ملعب منتخبنا الوطني ممر بلا حواجز، وهو ما يفتح باب التساؤل حول الاختيارات الفنية وقراءة المباراة في لحظاتها الحاسمة.

الهجوم، ورغم الأسماء اللامعة، عانى من فقر الحلول، فالأهداف جاءت من اجتهادات فردية خالصة، لا من بناء جماعي واضح، مما يجعل الفوز رهينة الموهبة، وهذه معادلة لا تصمد طويلًا أمام منتخبات تعرف كيف تغلق المساحات.

ووسط كل ذلك، برز الجانب الإنساني لكرة القدم.. التوتر، وضغط التوقعات، وثقل القميص الذي يمثل أكثر من 100 مليون مصري، كلها عوامل انعكست على قرارات بعض اللاعبين داخل الملعب، فكرة القدم لا تُلعب بالأقدام وحدها، بل بالعقول أيضًا، والانضباط الذهني لا يقل أهمية عن الجاهزية البدنية.

الخلاصة أن منتخب مصر لم يخسر، لكنه لم يُقنع.. والفارق بين الأمرين كبير في البطولات الكبرى، فالفوز يمنحك النقاط، لكن الإقناع يمنحك الثقة، والثقة هي الطريق الأقصر نحو الألقاب.

في رأيي، ما يحتاجه منتخبنا الوطني في المرحلة المقبلة ليس تبديل الأسماء بقدر ما يحتاج إلى وضوح الرؤية، واستعادة التوازن، وبناء شخصية داخل الملعب تعكس تاريخ هذا القميص، فكرة القدم اليوم أصبحت لا تهزم بالذكريات، ولا تخدع بالنتائج السابقة، بل تواجه بمنتخب يعرف من هو، وماذا يريد، وكيف يصل. فوز أول تحقق.. أما الرحلة الحقيقية، فلم تبدأ بعد.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
وليمة في بطن الحوت

تلتقط عدسات المصورين صورًا، لجثث أو ناجين من قوارب قديمة أو متهالكة مكتظة براغبي الهجرة، وروايات مبكية يسطر فصولها الناجون من الموت لذويهم ووسائل الإعلام..

الأكثر قراءة