خيوط الذهب تحكي قصة أقدم حرفة تراثية في الصعيد

23-12-2025 | 13:33
خيوط الذهب تحكي قصة أقدم حرفة تراثية في الصعيدأحد منتجات التطريز
شيرين أبو شعيشع
الشباب نقلاً عن

سيدات جزيرة شندويل يتوارثن أسرار "التلي" .. وإنتاجهن يشتريه الأجانب والعرائس فقط

موضوعات مقترحة

"التلي الأسيوطي" وصل إلى العالمية وارتدته العديد من الشخصيات الشهيرة والفنانات

"يا خيط التلي يا نور العيد .. يا فرحة الحرف في كل عيد"، بهذه الكلمات تغنى أهل الفلكلور الشعبي عن فن التلي (بفتح التاء) في جزيرة شندويل بمحافظة سوهاج التي تبعد عن محافظة القاهرة بحوالي 514 كم، ليست الأرض فقط هي التي تحكي قصتها بل الخيوط التي تزين فتيات وسيدات القرية.. فهو ليس مجرد تطريز بل عند أصحابه مثل زهرة تتفتح بخيوط من ذهب وفضة على قماش الحياة.


بداية الحكاية
التلي حرفة تراثية قديمة تمتد لآلاف السنين، اندثرت واختفت وأصبحت في طي النسيان لسنوات طويلة ثم عادت مؤخرًا، وهو شكل خاص من أشكال التطريز انتشر من قلب الصعيد إلى بقية المحافظات والبلاد العربية وبلاد الهند نفسها، وأخيرًا وصل لأوروبا، تتوارثه نساء الصعيد من جيل لآخر وتعطيه الأمهات لبناتهن كهدية يوم العرس أو في يوم الحنة، فهو إرث غالي وثمين يساوي في قيمته ما يورث من ذهب وفضة، خاصة وأنه ينفذ بأيديهن وفي بيوتهن منذ ولادة الفتاة، فهو عبارة عن (توب) جلباب وشال .. عليه تنقش النساء حكايات تكتب بالرموز والموتيفات المتعارف عليها كمفردات التراث الشعبي، وتم حصرها في نحو 120 رمزًا وموتيفة تقريبًا لم تخرج عنها الصانعات حتى الآن، مثل المثلث المقفول كحجاب البيت، المربع، الشموع، شجرة اللبلاب، الطبلة، الجمل، الهودج، الفارس، النخلة، الإبريق، العروسة، الجامع، الكنيسة، حقول القصب التي ستمر عليها في طريقها لبيت زوجها، لينتج في النهاية قطعة فنية شديدة الثراء شكلًا ومضمونًا، وهذه الرموز تكون أشبه بالكتابة الهيروغليفية مما يرجح أن لها أصولًا فرعونية، لكن يرجع البعض اسم التلي إلى النسيج الفرنسي "التول" وهو شبكة خفيفة الوزن ناعمة جدًا وصلبة، وتول اسم مدينة تقع في المنطقة الجنوبية الوسطى من فرنسا اشتهرت بإنتاج الدانتيل والحرير في القرن الـ 18، وكانت خيوط قماش التول سواء كانت من الحرير أو من خامات أخرى تحاك بطريقة محددة، فتبدو الفراغات سداسية الشكل كأنها قرص عسل.

أحدى السيدات للتطريز


خيوط الذهب في جزيرة شندويل
في جزيرة شندويل تحديدا كل بنات الجزيرة تعلمن حرفة التلي واتخذتهن كحرفة ومهنة تدر دخلاً، تقول عفاف عارف محمد (50 سنة) المسئولة عن تدريب عدد من الفتيات والسيدات: قصتي مع التلي بدأت عندما كنت طفلة صغيرة أتدرب في الوحدة المحلية على فن التلي، وأعجبني التريكو فتدربت عليه لفترة ولكن كانت عيني على فن التلي، فتعلمت من خالتي كيف أمسك الخيط والإبرة، ثم عملت مع الهيئة الكاثوليكية الأمريكية وذهبنا إلى المحافظة وشاركنا في أول معرض في محافظة سوهاج، وكان شغلنا عبارة عن الشال والطرحة في التلي، في البداية نطرز ثم نقص وبدأنا ندخل خامات أخرى مع التل - لأن أغلب استخدامات التلي في الأفراح - ليتناسب مع جميع الأعمار، مثل الكتان من أخميم، والتلي هو فن تطريز يدوي كان يستخدم قديمًا خيوط الفضة أو الذهب الخالص، أما اليوم فيستخدم النحاس المطلي بالفضة أو الذهب للحفاظ على الفن مع مراعاة التكلفة، ويتم التطريز غالبًا على أقمشة شبكية مثل التل وهو ما قد يوحي بارتباط التسمية بالقماش.


وتضيف قائلة: حتى الآن نستخدم خيوط من الفضة النقية بنسبة 100 % بناءً على طلب خاص من العملاء، وهي قصة مزيج من الصبر والإبداع، ويعتبر التلي الأسيوطي من أشهر أنواع هذا الفن وقد وصل إلى العالمية وارتدته العديد من الشخصيات الشهيرة والفنانات، وكان يصنع قديمًا من قماش واحد (التل) وله مصدر واحد وغالبًا ما كان يأتي من الهند، أما خيوط أشرطة التلي فتُستورد من بعض الدول الأوروبية، وتتميز كل بلد بألوان خيوطها المختلفة عن الأخرى، فالتلي الفضي يأتي من ألمانيا، أما التلي الذهبي فيُستورد من فرنسا وهو مغطى بطبقة سميكة من الذهب ويمتاز بالمرونة التي تساعد في التطريز بالإضافة إلى قوة لمعانه، أما التلي المستورد من التشيك فهو النوع العريض وهو قليل الاستعمال، وهناك أنواع من الخيوط أقل جودة تأتي من الهند والصين وباكستان، عملية الاستيراد هذه جعلته نادرًا وثمينًا مما زاد من مكانته أن (التوب) يستغرق في صناعته شهورًا قد تقترب من العام.. فلا تكفي النقود فقط وإن كثرت لاقتنائه، وقد أهداه محمد علي باشا والي مصر قديمًا إلى ملكة إنجلترا، وكعادة الملوك هناك احتفظت بالهدية في متحف فيكتوريا وألبرت في لندن وسجلت أسفله كل البيانات.. لعل أهمها عبارة "صنع في صعيد مصر".

أحدى السيدات للتطريز
 


أدوات فن التلى
وعن أدوات الفن تقول: إبرة وشرائط ذهب أو فضة، ونسيج شبكي أسود أو عاجي اللون.. هذا هو كل ما تحتاجه المرأة الأسيوطية المصرية لتزيين الطرح والشالات والأثواب التي تفتن الناظرين إليها بموتيفات تعيد الأسطورة إلى الحياة. والتطريز بالتلى عملية صعبة نظرًا لاعتمادها على غرزة واحدة، ولابد من تشكيل موتيفة كاملة منها، كما يتطلب دقة ومهارة وسرعة كي لا ينعقد الشريط المعدني. والإبرة التي تستخدم في تزيين الشبك مسطحة وطولها 4 سم، أحد طرفيها مدبب والطرف الثاني به ثقبين، ويقوم بصناعتها الحرفيون، وأحيانًا تصنع المرأة الإبرة بنفسها.. فتأتي بمسمار من حديد وتدقه ثم تثقبه وتبرده ليعطيها الشكل المطلوب. وكانت الإبرة في الماضي تُصنع من الذهب أو الفضة ويقوم بصناعتها صانع الذهب.

أحدى السيدات للتطريز
 


لكل غرزة حكاية
وتوضح درجة الإتقان عندما تقول: كل غرزة هي وحدة مستقلة بذاتها وتحتاج إلى ستة خطوات لتنفيذها. في البداية يوضع جزء صغير من الشبك على سبابة الإصبع اليسرى ويضغط عليه بإبهام ذات اليد لتثبيت المكان الذي سيتم تطريزه، أما الإبرة التي أدخل بها شريط معدني لا يتراوح طوله بين 40 سم و50 سم، فتمسك بأصابع اليد اليمنى وتغرز الإبرة في أحد ثقوب قماش التل بالورب، ثم يتم إخراجها من الثقب الذي يليه، بعدها يُثنى طرف شريط التلى ويعاد إنزال الإبرة في نفس الثقب الذي بدأ التطريز منه لتكوين طبقتين من الشريط، ثم تخرج الإبرة مرة أخرى من الثقب الذي يقع يسار الثقب الذي أدخلت منه الإبرة في المرة الأولى، بعدها يتم إدخال الإبرة في الثقب المقابل لهذا الثقب أي في الجهة اليمنى، ثم تخرج الإبرة من الثقب الثاني. في المرحلة السادسة والأخيرة تمرر الإبرة في الشريط المعدني بين طبقتي الغرزة وتضغط عليها باليد ليقطع شريط التلى بالإصبع وينفصل عن الغرزة المكونة، وهو ما يجعل بداية ونهاية كل غرزة مخفيتين لا تكشف العين بدايتها ولا نهايتها.

أحدى السيدات للتطريز


جيل جديد
وتقول سارة أحمد علي (16 سنة) طالبة في الصف الثاني الثانوي بمدرسة جزيرة شندويل: شاهدت مدرستي وهي تطرز التلى، وأعجبت بهذا الفن، ووعدتني أن تقوم بتعليمي في الإجازة، وبالفعل علمتني طوال 3 أسابيع في غرزة واحدة، ثم قمت بتعليم أمي وأصبحت أتقن كل الرسومات، وتدربت على "الاتامين" وهو عبارة عن غرزة سيناوي.. أي خيط وإبرة عادية ونطعم معه التلى والخيط لتطريز الطرح والشيلان والبلوزة والعبايات


وتقول نجوى أحمد عبد الرحيم (37 عامًا): أنا من مواليد قرية الشندويلي وكنت أصغر إخواتي حيث كنت أقوم بتوصيل مشغولاتهم، وتدريجيًا أحببت التطريز واحترفت فيه منذ 8 سنوات، وأحب تقفيل تطريز التلى بالرسومات الخاصة لأنني أحب النظام في تطريز التلى.. أما عن نوعية الملابس التي يقبل عليها العرائس والشباب فتكون الفستان والقفطان والعباية، وهناك زيادة في نسبة إقبال الفتيات على تعلم هذه الحرفة.
أما نورهان ماهر محمد (24 عامًا)، فتقول: تخرجت في كلية التربية قسم فيزياء وأعمل مدرسة، ولكن هذا لم يمنع حبي لفن التلى الذي تعلمته منذ 10 سنوات على يد والدتي، فأتقنت رسم العصافير والورود على المفارش الصغيرة، كما رسمت فرعي شجرة على كتفي فستان وأحزمة بالتلى، فالخامات نادرة ومكلفة.. لذا أغلب من يشترى منتجاتنا الأجانب والسائحون أو خلال الحفلات والأفراح.  

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: