البروفيسور أحمد جمعة الأستاذ فى جامعة سكرانتون الأمريكية: عرفت طريقى جيدًا عندما نجحت فى تعليم عامل بسيط بالجامعة القراءة والكتابة
موضوعات مقترحة
كنت أعيش تحت خط الفقر.. وعندما تراكمت الديون علىّ جاءتنى منحة غير متوقعة
يجب أن تكون لدينا الشجاعة للبناء فوق الكتب القديمة.. وأنصح بـ"تشريح الفشل" لأنه يعلم الطلاب أكثر من قصص النجاح السهلة
لابد من تدريس "الأطر الأخلاقية" لكى يضع الطلاب الأولوية للنزاهة قبل المكاسب قصيرة الأجل
وُلد في الإسكندرية، ثم انتقل إلى فرنسا مع والده الذي كان يدرس الدكتوراه هناك، وقتها كانت والدته إخصائية بوزارة الشئون الاجتماعية، ووالده معيدا في كلية الهندسة، وعاش في فرنسا بضع سنوات، حيث أصبحت الفرنسية لغته الأولى، وعند العودة إلى مصر استغرق تعلمه للغة العربية 3 سنوات.
يبدأ البروفيسور أحمد جمعة حكايته قائلاً: أصقلتني سنوات الدراسة في مصر، حبي للتعلم لم يكن مرتبطاً بالدرجات، بل بالفضول، أتذكر لحظة مهمة في حياتي عندما سألت المدرسة عن قدرة الضفادع على البيات الشتوي، فكان الرد: "الكتاب يقول ذلك"، هنا أدركت أن المعرفة الحقيقية تبدأ بالسؤال، لا بالقبول الأعمى للنصوص، وكانت الإسكندرية عشقي .. التحقت بمدرسة العباسية الثانوية في محرم بك، حافظت على لغتي الفرنسية عبر امتحانات المركز الثقافي الفرنسي، قرأت من مكتبات شارع النبي دانيال وتجولت في محرم بك ومحطة مصر لشراء الكتب المستعملة، وفي النهاية، التحقت بكلية التجارة بجامعة الإسكندرية بناءً على نتيجتي بدلا من ترك الاسكندرية للالتحاق بكلية الهندسة، وكانت فترة دراستي بجامعة الإسكندرية مختلفة لأن والدي وعمي وزوجة عمي وبعض الجيران وأصدقاء العائلة كلهم من أعضاء هيئة التدريس في كلياتها المختلفة، لكن لم يتم تعييني في الجامعة بعد التخرج- ببساطة- لأنه كان هناك من هو أكفأ مني، ومع ذلك تخرّجت ضمن أفضل 10% في مسار المحاسبة بالإنجليزية، لكن الأثر الأعمق كان قراري قضاء صيفي الأخير في تعليم أحد عمّال الجامعة القراءة والكتابة؛ علّمتني هذه التجربة أن الغاية الأسمى من العلم هي خدمة الآخرين.
ويضيف قائلاً: مع بداية دراستي لدرجة الماجستير في تقنية المعلومات بمعهد الدراسات العليا والبحوث بجامعة الإسكندرية، سنحت لي فرصة تنفيذ مشروعٍ ميداني لصالح شركة عالمية، وبالتعاون مع أحد الزملاء، طوّرنا تطبيقًا يُحسّن عرض ملفات الرسومات الهندسية على حواسيب محمولة محدودة الموارد، فربطتُ بذلك بين الدرس النظري والتطبيق العملي وعزّزتُ مهاراتي التقنية، ثم عملت بالتدريس في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا، وكانت تلك بداية مساري الأكاديمي الرسمي الذي جمع بين البحث العلمي والممارسة التعليمية.
وعن سبب قراره استكمال دراساته بالخارج رغم نجاحه في مصر، يقول: كنت أبحث عن أفضل مساحة للبحث العلمي وأكثرها تطوراً لأتمكن من تحقيق أقصى تأثير، وعندما جاءتني عروض القبول للدكتوراه من دول مختلفة، اخترت الولايات المتحدة لعمق بنيتها التحتية البحثية، فهي توفر أوسع "مساحة للحركة" لمن يريد أن يقدم إضافة حقيقية، وجاءت نقطة التحوّل حين قدّمتُ ملصقًا علميًّا في مؤتمر عام ٢٠٠٠؛ لفت هذا العمل انتباه أساتذة جامعة روتجرز، فحصلتُ على منحةٍ لدراسة الدكتوراه، وقد كان المشرفون على رسالتي في غاية الدعم؛ وتعلّمتُ كيف أفكّر «بطريقة جديدة»، وبعد التخرج، سعيت لتطبيق ما تعلمته، فأسست شركة متخصصة في تحليل التوجهات والإعلانات الرقمية، ثم انتقلت إلى جامعة سكرانتون، بعد فترة تدريس في جامعة ماريوود.
ويتذكر أيامه الأولى في أمريكا، ويقول: كان حاجز اللغة يخلق مواقف محرجة في أبسط الأمور، لكن التحدي الأكبر كان بعد أحداث11 سبتمبر حيث ساد الخوف واضطررنا لمواجهة أشكال من التحيز، مالياً، كانت الحياة صعبة؛ فرغم تعدد المنح والمساعدات، كان دخلي يظل تحت خط الفقر ولا يمكنني العمل خارج الجامعة، عندما تراكمت الديون، صمدت في تلك الفترة بالإيمان والصبر، وبفضل نعمة الله؛ حيث جاءت منحة غير متوقعة في عز الضيق، واستمر دعم الأهل والمشرفين، علمني هذا الموقف أن الرزق والسند يأتيان في أحلك الظروف.
وعن الفرق بين المجال الأكاديمي في أمريكا مقارنةً بالفترة التي عمل فيها بالجامعة في مصر مصر، يقول: الفرق الجوهري في فلسفة التشغيل، في مصر، يحظى الأستاذ الجامعي باحترامٍ عميق، وغالبًا ما يعكس المنهج خبرته واتجاهه العلمي، أمّا في أمريكا، فالمنهج يُعامَل بوصفه عقد التزاماتٌ واضحة ومعلَنة، ومخرجات تعلم قابلة للقياس، دوري هنا يتجاوز الطالب إلى جهة العمل التي ستوظّفه؛ فعندما يُنهي الطالب المقرر، أستطيع أن أُطمئن صاحب العمل إلى أن هذا الخريج يمتلك المهارات الدقيقة المطلوبة في السوق، لكن اليوم أشهد بفخر دخول جامعاتنا المصرية مصافّ التصنيفات العالمية، في مسارٍ يجمع بين الاحترام والعمل الأكاديمي الجاد ومعايير الجودة والاعتماد.
أبحاث البروفيسور أحمد جمعة تركز على العملات المشفرة وحلول البلوك تشين لتمكين التحول الرقمي، لكن في مصر ودول أخرى لا تزال هذه العملات محظورة، بينما تستثمر فيها دول أخرى بكثافة، يعلق قائلاً: أرى في تقنيات البلوك تشين والعملات المشفّرة وسيلةً لتعزيز الشفافية وتمكين الأفراد اقتصاديًا، وفي الدول التي تُقيِّد الاستخدام، يعود ذلك غالبًا إلى هواجس الرقابة ومخاطر الاحتيال على المستثمرين، والطريق العملي للموازنة بين الابتكار والانضباط التنظيمي هو البيئات التجريبية المنظَّمة (المعروفة بصناديق الرمل)، Regulatory Sandboxes حيث تختبر الجهة الرقابية النماذج بصورة آمنة قبل التوسّع، ويحظر البنك المركزي المصري تداول العملات المشفّرة دون موافقة بموجب القانون رقم 194 لسنة 2020، ومع ذلك اتخذ خطوات انخراط دولي مهمّة؛ إذ شارك بصفته عضوًا في مجلس الاستقرار المالي في رئاسة المجموعة الاستشارية الإقليمية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في يناير 2025 لمناقشة تطبيق توصيات الأصول المشفّرة، والخلاصة هي: الفائز ليس الأكثر تساهلًا، بل الأكثر وضوحًا، وحين تتضح القواعد، تتدفّق السيولة النظامية، وتنخفض المخاطر التشغيلية، ويستفيد المستخدم والاقتصاد معًا.
ولسابق خبرته في دراسات المحاسبة وإدارة الأعمال في مصر، هو يراها لازالت تتم بصيغتها التقليدية في جامعاتنا، وينصح بتطويرها لمواكبة الاتجاهات الحالية في العالم، يضيف: يجب أن تكون لدينا الشجاعة للبناء فوق الكتب القديمة، وأنصح بدمج 3محاور: الذكاء الاصطناعي، البلوك تشين، وتحليل فشل الشركات الناشئة، أي نتعلم من تشريح الفشل أكثر مما نتعلمه من قصص النجاح السهلة، يجب أن نستضيف رؤساء تنفيذيين فعليين بدلاً من المتحدثين التقليديين، وأن نربط التعليم بمشاريع حقيقية، الأهم من كل ذلك هو زرع الأخلاق في كل درس: لقد ارتكبت شركات عملاقة مثل فولكس فاجن (احتيال الديزل في الانبعاثات)، وإكسون موبيل (إنكار تغير المناخ وتضليل الرأي العام)، وجوجل (انتهاكات خصوصية البيانات وإساءة استخدام احتكارها)، وميتا/فيسبوك (التلاعب ببيانات كامبريدج أناليتيكا وتصميم منصات استغلالية مسببة للإدمان)، وآبل (احتكار متجر التطبيقات وسلاسل الإمداد الاستغلالية)، فضائح وضعت الأرباح فوق الأخلاق، وقد نتج عن ذلك غرامات بمليارات الدولارات، وتؤكد هذه القضايا الحاجة الماسة لتدريس الأطر الأخلاقية في التعليم، لضمان أن يولي الطلاب الأولوية للنزاهة على المكاسب قصيرة الأجل.
والبروفيسور أحمد جمعة كان ضمن أفضل 40 من قادة الأعمال تحت سن الأربعين بأمريكا، كما أنه على قائمة أخصائي فولبرايت من ٢٠٢١ إلى ٢٠٢٥، ومراجعًا لمنح مؤسسة العلوم الوطنية لتحويل الأفكار العلمية إلى مشاريع، لكنه يرى أن إنجازه الحقيقي هو العمل المجتمعي، يقول: تشرفت بإنشاء ورئاسة مجلس الجمعية الإسلامية لمدينة سكرانتون، ومع جالية متميزة عملنا على إنشاء مسجد، والآن بعد أن امتلأ المكان بمجتمع راق ومشرف ومتنوع نسعى إلى توسيع المسجد مع إدارة قوية ومتجددة.
وعن عودته إلى مصر، يقول: في كل صيف، أحرص على قضاء الإجازة مع أطفالي بالإسكندرية، روحي هناك، لكن هدفي هو التواجد حيث يمكنني تحقيق أكبر قدر من التأثير، وحيث يزدهر مستقبل أطفالي، وإذا استثمرت مصر في بناء منظومات بحثية عالمية الطراز، فسأكون أول من يلبي الدعوة للمساهمة، وفي النهاية، الوطن ليس علماً فحسب؛ بل هو المكان الذي يتردد فيه صوت ضحكات أطفالنا أعلى ما يكون.