من واقع خبرتي البحثية والعملية على مدار ما يقرب من ثلاثين عامًا داخل مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، أدركتُ أن الديمقراطية لا تُصان فقط عبر النصوص الدستورية أو الترتيبات المؤسسية، بل تُحمى، في جوهرها، بقدرة المجتمع على التفكير النقدي، وبوجود مساحات مستقلة لإنتاج المعرفة وتداول الأفكار. ومن هنا أرى أن مراكز الفكر الوطنية تمثل أحد الفاعلين الأساسيين، وإن بدا دورها أحيانًا غير مباشر، في حماية الديمقراطية والحفاظ على حيويتها واستدامتها.
ومن خلال عملي الممتد في مركز الأهرام، أدركت أن أخطر ما يواجه الديمقراطية هو غياب الفهم العميق للتحديات، أو هيمنة الخطاب الانفعالي والشعبوي على المجال العام.
وهنا تتجلى الوظيفة الأساسية لمراكز الفكر، وهي إنتاج معرفة تحليلية رصينة تستند إلى المنهج العلمي والخبرة التراكمية. فالديمقراطية، في تقديري، لا يمكن أن تصمد طويلًا إذا كانت السياسات تُصاغ في فراغ معرفي، أو استنادًا إلى انطباعات آنية لا تراعي التعقيدات البنيوية للمجتمع والدولة والعالم. وهذا الفهم هو الخطوة الأولى لحماية أي تجربة ديمقراطية من الوقوع في أخطاء قاتلة أو أوهام مريحة.
وخلال سنوات عملي، كنت شاهدًا على كيف يمكن للتحليل السياسي الجيد أن يفتح أمام صانع القرار بدائل لم تكن مطروحة، أو ينبه إلى مخاطر لم تكن في الحسبان. ومن هنا أرى أن الدور الثاني لمراكز الفكر الوطنية يتمثل في دعم عملية صنع القرار الديمقراطي. فهذه المراكز لا تنافس السلطة ولا تسعى إلى حلول محلها، لكنها تقدم لها ما تحتاجه من رؤى إستراتيجية طويلة المدى، بعيدًا عن ضغوط اللحظة أو حسابات الشعبية السريعة، وهو أمر بالغ الأهمية في النظم التي تسعى إلى ترسيخ مسار ديمقراطي مستقر.
كما أرى، من موقع المسئولية البحثية، أن مراكز الفكر الوطنية تؤدي وظيفة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في تعزيز المساءلة العامة. فحين تقوم هذه المراكز بتقييم السياسات، أو تحليل أداء المؤسسات، فإنها تسهم في خلق نقاش عام أكثر نضجًا. وهذا النوع من النقد، في رأيي، لا يضعف الدولة، بل يقويها، لأنه يسلط الضوء على مواطن الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات بنيوية تهدد الثقة بين المواطن والنظام السياسي، وهي الثقة التي تمثل حجر الزاوية في أي ديمقراطية حقيقية.
وفي هذا السياق، لا يقتصر دور مراكز الفكر الوطنية، من وجهة نظري، على النخب السياسية أو دوائر الحكم، بل يمتد إلى المجتمع ككل. فالديمقراطية لا تعيش بالنصوص وحدها، بل بثقافة عامة تؤمن بالتعددية وقبول الاختلاف.
ومن خلال الندوات، والمؤتمرات، والإصدارات البحثية، والمشاركة في النقاش الإعلامي، تسهم مراكز الفكر في تشكيل وعي ديمقراطي أكثر عمقًا واتزانًا. وأعتقد أن هذا الدور التثقيفي طويل الأمد هو من أكثر الأدوار تأثيرًا، وإن كان الأقل وضوحًا في المدى القصير.
وفي لحظات التحول، أو الأزمات السياسية، تأكد لي أن قيمة مراكز الفكر الوطنية تتضاعف. فقد رأيت، بعد ثورتي يناير 2011 ويونيو 2013 كيف يمكن لها أن تتحول إلى مساحات حوار آمنة، تجمع بين تيارات فكرية وسياسية مختلفة، وتتيح نقاشًا هادئًا بعيدًا عن الاستقطاب الحاد. وهذا الدور الوسيط، الذي مارسه مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية في أكثر من محطة، أسهم في تخفيف حدة التوتر، وفتح قنوات تواصل غير رسمية، ساعدت على حماية المجال العام من الانغلاق أو الانفجار.
وعلى المستوى الدولي، ومع عملي في وحدة العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات، لمست أهمية مراكز الفكر في الدفاع عن الديمقراطية في الفضاء الخارجي. فالتفاعل مع مراكز بحثية عالمية، والمشاركة في النقاشات الدولية، يسمح بتقديم رؤية أكثر توازنًا للتجربة الوطنية، ويمنع اختزال الديمقراطية في نماذج غربية جاهزة أو معايير انتقائية تُفرض من الخارج. وهذا البعد أصبح، بمرور الوقت، جزءًا لا يتجزأ من حماية الديمقراطية في عالم شديد الترابط.
لكنني أؤكد، في الختام، أن كل هذه الأدوار لمراكز الفكر في دعم الديمقراطية تظل مرهونة بشروط أساسية وهي الاستقلالية الفكرية، والشفافية في التمويل، والالتزام بالمنهج العلمي. فمراكز الفكر التي تفقد هذه الشروط تفقد قدرتها على النقد الحر، أو تنزلق إلى التبرير والدعاية، وبالتالي تفقد تلقائيًا دورها في حماية الديمقراطية.
وخلاصة القول، تمثل مراكز الفكر الوطنية أحد الأعمدة غير المرئية لحماية الديمقراطية واستدامتها. فهي لا تصنع القرار، لكنها تؤثر فيه، ولا تمارس السلطة، لكنها تراقبها وتنتقدها، ولا تحشد الجماهير، لكنها تسهم في تشكيل وعيها.
وفي عالم تتزايد فيه التحديات أمام النظم الديمقراطية، تظل الحاجة إلى مراكز فكر قوية، ومستقلة، ومسئولة، شرطًا أساسيًا لبناء ديمقراطية قادرة على الصمود والتجدد.
ومن واقع قناعتي المهنية، أرى أن الدور الأخطر، وربما الأهم، الذي تؤديه مراكز الفكر، هو دورها في وضع الأرقام على الطاولة، وإعادة ترتيب الوقائع، وطرح "الأسئلة المحرجة" بصيغة هادئة. وهذا النوع من العمل، الذي خبرته عن قرب، لا يهدم الدولة، بل يحميها من نفسها. كما أن هذا الدور أيضًا يمنح الديمقراطية فرصة نادرة لتتعلم من أخطائها، وتصحح مسارها، قبل أن يدفع الجميع ثمن الصمت.
- رئيس وحدة العلاقات الدولية مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية