إنها أمة تحتاج أن تفرح، وأن تستقر بعد عذابات طويلة من القهر والاستبداد، إنها أمة عراقية تجرعت كؤوس السم الطائفية، والحروب الأهلية، والميليشيات المنفلتة، والسلاح خارج إطار الدولة.
ويبدو واقع حال العراق الآن أمام مفترق الطرق، واليوم تقف الأمة العراقية ما بين خيار الغوص في حروب الآخرين، وساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، وانفلات السلاح، وأن تبقى أسيرة الماضي. أو أن تمضي مع "خيار السوداني" من استعادة الدولة، وقرارها المستقل، وخوض معركة التنمية والبناء، وتحسين حياة الناس من أجل أن تفرح الأمة العراقية.
ومنذ تكليفه برئاسة مجلس الوزراء العراقي، كان محمد شياع السوداني يدرك أن اختبار الدولة الحقيقي لا يكون في الخطابات ولا في النوايا، بل في القدرة على فرض القانون، وبناء القرار السيادي، واستعادة ثقة المواطن. في بلد أنهكته الفوضى الأمنية، وتنازعته مراكز القوة، ظل ملف حصر السلاح بيد الدولة معيارًا صعبًا، وامتحانًا طالما تهرب منه كثيرون. لكن السوداني اختار أن يضع يده مباشرة على الجرح، وأن يتعامل مع هذا الملف بوصفه منجز دولة لا شعار مرحلة، وحقًا سياديًا لا يقبل المزايدة.
لقد قدم السوداني نموذجًا مختلفًا في إدارة الملف الأمني، يقوم على الهدوء، والتدرج، والعمل المؤسساتي، بعيدًا عن الاستعراض أو الصدام غير المحسوب. ويقول الخبراء العراقيون إن حصر السلاح لم يكن حملة ظرفية ولا إجراءً إعلاميًا، بل مسارٌ تراكمي بدأ بإعادة الاعتبار للمؤسسات الأمنية، وتوحيد القرار العملياتي، وفرض سلطة الدولة في المدن، وضبط السلاح المنفلت عبر القانون لا عبر الفوضى. ومن هنا، يصبح من غير المنصف، بل من غير المقبول، أن يزايد أحد على هذا المنجز؛ لأنه تحقق بصبر الدولة لا بضجيج السياسة.
وفي الوقت نفسه اختار السوداني مهمة صعبة تتعلق ببناء دولة مستقرة، وفي مقابلة أجراها مع وكالة رويترز في نوفمبر الماضي، أوضح السوداني أن حصر السلاح بيد الدولة ليس موجهًا ضد طرف بعينه، بل هو شرط أساسي لبناء دولة مستقرة، واقتصاد قادر على النمو، وعلاقات خارجية متوازنة.
وربط بين هذا المسار والانسحاب الأمريكي. وشدد رئيس الوزراء على أن الحكومة ماضية في هذا المسار عبر الأدوات القانونية، ومن خلال تعزيز قدرات القوات الأمنية، وخلق بيئة سياسية داعمة لسيادة القانون. هذا الخطاب، حين يصدر عن رئيس حكومة، لا يمكن قراءته بوصفه تصريحًا عابرًا، بل إعلانٌ واضحٌ عن فلسفة حكم.
ومن ناحية أخرى لم يتوقف الإنجاز الأمني للسوداني عند الداخل، فالرجل فهم مبكرًا أن السيادة لا تكتمل من دون إعادة تعريف العلاقة مع الخارج، ولا سيما مع التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. ومن هنا جاء الدور المحوري للسوداني في التأسيس لمهمة إنهاء التحالف الدولي في العراق، لا عبر القطيعة أو التصعيد، بل عبر التفاوض السياسي الهادئ، والانتقال المنظم من منطق "التحالف العسكري" إلى مفهوم "الشراكة المتعددة الأبعاد".
ويمكن القول إن مما تحقق في عهده من بداية مسار نهاية وجود قوات التحالف، وبعد لقائه مع الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن في أبريل من العام الماضي، خرج البيان المشترك ليعلن أن وجود التحالف الدولي في العراق بات مرتبطًا بمرحلة استشارية محددة زمنيًا، وأن الجانبين اتفقا على بدء حوار لإنهاء المهام القتالية للتحالف، والانتقال إلى إطار تعاون ثنائي يركز على التدريب، والدعم الفني، والتعاون الاقتصادي، والسياسي. هذا الإعلان لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل لحظة مفصلية أعادت صياغة العلاقة مع واشنطن، وأكدت أن العراق لم يعد ساحة مفتوحة، بل دولة تفاوض باسم سيادتها.
وفي أغسطس الماضي وقبل الموعد المتفق عليه مع واشنطن بدأت الولايات المتحدة الأمريكية بتسريع عملية سحب قواتها من العراق، حيث شرعت في نقل جنودها من قاعدتي عين الأسد وفكتوريا إلى أربيل ودولة عربية مجاورة، في تكليل لجهود السوداني في إعادة رسم العلاقة وإعلان بأن رؤيته أتت ثمارها.
وفي الوقت نفسه فإن السوداني لم يحصر علاقته مع الغرب في البعد الأمني، بل على العكس عمل على تحويل بوصلة العلاقة نحو الاقتصاد، والاستثمار، والطاقة، والإصلاح المالي، والسياسة المتوازنة. لقد أراد للعراق أن يتم التعامل معه كشريك ودولة فرص، لا كملف أمني وساحة أزمات. وهذا التحول في الخطاب والممارسة هو بحد ذاته إنجاز مهم يتعلق بسيادة الدولة؛ لأنه يخرج العراق من دائرة الوصاية إلى فضاء الدولة القوية.
إن ما بناه السوداني في ملف حصر السلاح، وفي مسار إنهاء التحالف الدولي، ليس نتاج قرارات معزولة، بل نتيجة رؤية متكاملة لدولة تريد أن تمسك بزمام أمرها. دولة لا تسمح بازدواج القرار، ولا تقبل أن تكون رهينة لأي وجود غير منظم، داخليًا كان أم خارجيًا. ولهذا، فإن هذه المنجزات لا تقبل المزايدة؛ لأنها لم ترتكز إلى حسابات شخصية، بل قامت على أساس مصلحة العراق وأمنه واستقراره.
وأحسب أن المرء يمكنه القول إن السوداني "رجل دولة"، وفي المحصلة، فإن تجربة السوداني في إدارة الملفات الأمنية والسيادية تكشف عن رجل دولة يفضل البناء الهادئ على الصدام، ويؤمن بأن فرض السيادة يقوم على العقل قبل القوة، ويعتمد على المؤسسات بعيدًا عن الشعارات.
ويبقى أن قضية حصر السلاح بيد الدولة العراقية لم تعد وعدًا مؤجلًا، بل مسارٌ واضحُ المعالم، تتقدم فيه الدولة خطوة بعد أخرى، بثقة وثبات. أما إنهاء مهمة التحالف الدولي، فقد انتقل من كونه مطلبًا سياسيًا إلى عملية تشهد خطوات ملموسة ومحسوبة، أعادت ترتيب العلاقة مع الولايات المتحدة والغرب على أسس جديدة، قوامها الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
وتؤكد المصادر العراقية المطلعة أنه هكذا، يرسم السوداني ملامح مرحلة مختلفة، مرحلة لا مكان فيها لتعدد مراكز القرار، ولا مجال فيها للمزايدة على منجزات تحققت باسم الدولة، ولصالح الدولة، ومن أجل مستقبلها.
وأحسب أن الطبقة السياسية العراقية أمام لحظة الاختيار ما بين "قفزة في المجهول" أو خيار السوداني في بناء الدولة، وهو طريق طويل وصعب بحاجة لقرارات مؤلمة لا "عنتريات مهلكة".