"خرائط النار" في عام 2026

25-12-2025 | 15:34

ونحن نقترب من عام 2026، لا يبدو العالم واقفًا على أعتاب حرب عالمية ثالثة، لكنه بالتأكيد لم يعد واقفًا على أرض هادئة ومستقرة وصلبة. فنحن أمام مشهد دولي يمكن تشبيهه بخارطة كبيرة تتناثر فوقها شرارات متعددة، لا تتجمع في حريق واحد شامل، لكنها لا تنطفئ أيضًا. إنها حالة وسطى، رمادية، يتجاور فيها القلق مع الحسابات الباردة، ويُدار فيها الصراع أكثر مما يُحسم.

في زمنٍ مضى، كانت الحروب تُعلن، والجبهات تُرسم، والنهايات – مهما تأخرت – تُكتب في معاهدات سلام. أما اليوم، ونحن في نهاية عام 2025، فقد تغيّر كل شيء. فلم تعد الحرب حدثًا استثنائيًا، ولا السلام غاية قريبة، بل أصبح العالم يعيش ما يمكن تسميته بـ«الإقامة الدائمة في التوتر». هنا، يصبح السؤال ليس: متى تنتهي الأزمات؟ بل: كيف تُدار، وإلى أي مدى يمكن إبقاؤها تحت السيطرة؟

النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب الباردة كان يقوم على افتراض بسيط مفاده وجود قوة مهيمنة، هي الولايات المتحدة (وفي فترة ما الاتحاد السوفيتي السابق)، وقواعد واضحة، ومؤسسات قادرة (مثل مجلس الأمن الدولي) – ولو نظريًا – على الضبط. وهذا الافتراض تآكل ببطء، حتى انهار من الداخل. فلم يعد الردع العسكري من القوى الكبرى كافيًا لضبط السلوك، ولم تعد المؤسسات الدولية قادرة على فرض حلول، بل اكتفت بإدارة الأزمات وتأجيل انفجارها. وهكذا دخل العالم مرحلة «السيولة الإستراتيجية»، حيث تتبدل التحالفات، وتختلط الأدوات، وتضيع الحدود بين الحرب والسلم.

وفي هذا السياق، تتضح «خرائط النار» لا بوصفها نقاطًا معزولة، بل شبكة مترابطة من بؤر الاشتعال. أي شرارة في مكان ما باتت قادرة على الانتقال عبر أسواق الطاقة، أو طرق التجارة، أو سلاسل الإمداد، لتُحدث ارتدادات بعيدة المدى. ولم تعد الجغرافيا وحدها هي التي تحدد نطاق الأزمة، بل الاقتصاد العالمي المتشابك، والتكنولوجيا، والإعلام، وحركة البشر.

اللافت أن الردع (خصوصًا النووي) لا يزال حاضرًا، لكنه تغيّر في وظيفته. فهو يمنع الانفجار الشامل، لكنه لا يصنع الاستقرار. يمنع الحرب الكبرى، لكنه يترك الباب مفتوحًا أمام عشرات الصراعات الأصغر، والحروب الرمادية، والضغوط المتبادلة. كأن العالم يعيش تحت سقف منخفض: لا يسمح بالانفجار، لكنه لا يوفر الراحة.

وفي هذه الأجواء، لم يعد التصعيد نقيضًا للتهدئة. فكلاهما أصبح جزءًا من لعبة واحدة. التصعيد يُستخدم للضغط، والتهدئة تُستعمل لالتقاط الأنفاس. لا أحد يسعى إلى الحسم الكامل، ولا أحد قادر عليه. وأصبح الهدف للجميع هو تحسين المواقع، لا إنهاء الصراع. وهكذا، تتحول التهدئة إلى هدنة مؤقتة، لا طريقًا إلى السلام، ويتحول التصعيد إلى رسالة محسوبة، لا إعلان حرب.

وعبر الأقاليم المختلفة، تتجسد هذه القاعدة بأشكال متعددة. ففي المناطق ذات الحساسية الإستراتيجية العالية، مثل الشرق الأوسط وأوروبا وبحر الصين الجنوبي، تُدار الصراعات عند حافة الخطوط الحمراء. ضربات محسوبة، ورسائل غير معلنة، واختبارات متكررة لإرادة الطرف الآخر. والكل يعرف أن الانزلاق مكلف، لكن الكل يواصل الاقتراب من الحافة. لعبة أعصاب طويلة، يكفي فيها خطأ صغير ليختل التوازن.

وفي ساحات أخرى، تستمر حروب الاستنزاف، لا تنتصر فيها الجيوش بقدر ما تُستنزف الإرادات. لا هزيمة واضحة، ولا نصر حاسم، بل انتظار طويل حتى يتآكل الصبر السياسي. ومع الوقت، يصبح الاستنزاف نفسه ورقة تفاوض، ويغدو استمرار الحرب أقل كلفة (في حسابات البعض) من تقديم تنازل.

أما في البحار والمحيطات والممرات الحيوية الإستراتيجية، فالصراع يتخذ شكل احتكاكات يومية: سفن تُعترض، ومناورات تُكثّف، ورسائل تُرسل دون أن تُكتب. وهنا، لا تكمن الخطورة في قرار مدروس، بل في حادث عرضي، أو سوء تقدير، قد يشعل أزمة أكبر من نوايا أصحابها.

والأخطر من كل ذلك أن الهشاشة باتت القاعدة، لا الاستثناء. حيث توجد دول تعاني ضعفًا بنيويًا، وأزمات اقتصادية وإنسانية متراكمة، وتدخلات خارجية تُعقّد المشهد أكثر مما تحله. وفي هذه الحالات، يكون الاستقرار (إن تحقق) مؤقتًا، والتهدئة مجرد فاصل بين موجتين من التوتر. وهكذا، تتراكم الأزمات طبقة فوق أخرى، دون معالجة الجذور.

باختصار، المشكلة التي يواجهها العالم ومن يعيشون عليه في مقتبل عام 2026، ليست في كثرة الصراعات فقط، بل في غياب فكرة «النهاية». فلم يعد أحد يتحدث بجدية عن تسوية نهائية للأزمات أو الصراعات أو الحروب. بل الحروب تُدار، لا لتُربح، والأزمات تُحفظ عند مستوى يمكن التحكم فيه. إنه عالم يعيش على منطق «توازن الضعف»، حيث لا أحد قوي بما يكفي للحسم، ولا أحد ضعيف بما يكفي للانكسار.

وهكذا يبدو عام 2026. عالم بلا تسويات كبرى، وبلا انفجار شامل. عالم متعدد الحرائق، تتبدل فيه مواقع الاشتعال، بينما تبقى البنية المأزومة على حالها. وفي هذا العالم، تصبح قراءة خرائط النار ضرورة للفهم، لا تمهيدًا للتفاؤل. فالعالم لا يبحث عن نهاية للصراعات، بل عن طرق لإبقائها تحت السيطرة… إلى أجل غير مسمى.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة