زرتُ مدينة أربيل بإقليم كردستان مطلع هذا العام، وقبل هذه الزيارة، كنتُ أسمع فقط عن علاقة الكُرد بمصر، وأن لهم جذورًا ضاربة في عمق العلاقات المصرية منذ صلاح الدين الأيوبي، ثم انتشارهم في مدن وقرى مصرية، حتى تأثيرهم في الفنون والآداب، من خلال شخصيات لمعت في السينما مثل المخرج أحمد بدرخان، ونجله المخرج علي بدرخان، ثم في الشعر أحمد شوقي، كما عاش كثير من الكُرد في مصر، وكان لهم وجود قوي في الأزهر الشريف، وكان لهم رواق يحمل اسمهم فيه.
وكم تمنَّيت أن يحدث تعاون جديد في شتى المجالات بيننا وبين إقليم كردستان -العراق- حتى جاءت زيارة رئيس حكومة كردستان، واستقبال وزير الثقافة الدكتور أحمد هنو له في المطار، ثم فخامة السيد رئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسي، وما دار من حديث ودي عبَّر عما تكنُّه مصر للشعب الكردي، وبخاصة أهل كردستان العراق.
وهنا نتذكر أول لقاء رسمي بين زعيم مصري وزعيم كردي، وهو لقاء الزعيم الراحل جمال عبدالناصر بالملا مصطفى البارزاني عام 1963، وبرفقته وفد، عندما كانوا قادمين من الاتحاد السوفيتي، حيث دعمت مصر موقفهم.
تشهد كردستان العراق زخمًا ثقافيًا، حيث مهرجان المسرح الذي يُقام سنويًا، وشارك في دورته الماضية فنانون مصريون، منهم النجم أحمد بدير رئيسًا للجنة التحكيم، وحضر الدورة من مصر المخرج عمر عبدالعزيز، والفنانة شيرين، والمخرج عبدالحكيم التونسي، والمنتج الدكتور إبراهيم حطب.
وهناك أيضًا مهرجان السليمانية، الذي يشهد مشاركة مصرية كل عام. وتحظى الدراما بوجود قوي من خلال بعض الأعمال التي يتم تصويرها هناك، ومنها مسلسل «ليلة السقوط»، وتم تصويره في أربيل، ويتناول قصة الإيزيديين، من تأليف مجدي صابر، وإخراج ناجي طعمي، وبطولة طارق لطفي، وكندة حنا، وباسم ياخور، وأحمد صيام.
وفي التراث الكردي المصري حكايات عن نسب عائلي سُمِّيت بسببه بعض العائلات المصرية بالكردي، وقرى تحمل الاسم نفسه، ناهيك عن وجود أضرحة ومقامات. وفي الموسيقى يوجد مقام «الكرد»، وهو منتشر في الموسيقى المصرية، وكل ذلك بسبب ما أسهم فيه التزاوج والعلاقات القديمة، التي تراجعت بمرور الزمن.
ونتمنى أن تعود بقوة، وأن تكون لهم في مصر مكانتهم كشعوب تتحدث العربية ولديها الثقافة والمعتقدات نفسها، وتفتح لهم الجامعات المصرية أبوابها، ويعود أبناء كردستان إلى رواق الأزهر، وهو ما نوَّه له فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي من دعم للتعاون المشترك بيننا وبينهم، وأن تكون هناك جسور اقتصادية، حيث الاستثمار بشكل أقوى مما هو عليه.
فكما علمتُ من أحد الكُرد، فإن الاستثمارات موجودة، لكنها ليست بالقدر الكافي. ومن هنا نتمنى أن تكون زيارة مسرور البارزاني نقطة عودة بيننا وبين إقليم كردستان ثقافيًا وفنيًا واقتصاديًا، لتفتح أبوابًا للأجيال الجديدة ونوافذ للتعارف.