عوامل كثيرة تؤثر في وجدان الشعوب ووعيها الجمعي، وربما تأتي الأعمال الفنية وبالأخص السينما، كأبرز هذه العوامل والوسائط ذات التأثير الكبير، وهو ما نلحظه دائمًا كردود أفعال داخل الرأي العام حول الأعمال المقدمة، كما نشاهد نتائج أعمال وشخصيات في الممارسات المجتمعية، سواء بالمحاكاة أو باختيار أسماء الأبطال والأمكنة وإحالتها إلى المقابل المجتمعي، من ذلك ما نشاهده من مقاه بأسماء "ليالي الحلمية"، "الراية البيضا"، "السكرية"، "بين القصرين"، وهناك من يسمي مثلًا "أدهم" تيمنا بـ"أدهم الشرقاوي" و"صلاح الدين"، و"الزعيم" وغيرها، إذ إن هذه الصور من المحاكاة دلالة واضحة على حجم التأثير، فضلًا عما يكتسبه المشاهد بمختلف مستويات الوعي من قدرة على تكوين رأي انطباعي من واقع انتمائه للبيئات المختلفة، وتطلعه إلى الوصول إلى فكرة الإشباع من الأعمال المقدمة بما يتوافق وفهمه للجمال الفني وللموضوع المطروح في المقام الأول.
من هنا نتيقن من إسهام الفن في تشكيل الوعي الجمعي وترسيخ صورة الرمز في الذاكرة الشعبية، إذ لا تكتفي السينما بعرض الأحداث، لكنها تعيد تأويل الشخصية الرمزية، مانحة إياها أبعادًا جديدة قد تعزز مكانتها أو تحدث شرخًا في صورتها لدى الجمهور، لتبرز هنا أهمية الدور الذي يلعبه الفن في تجسيد الرموز الوطنية والثقافية والاجتماعية بصورة متوازنة تجمع بين الصدق الفني والجاذبية الجماهيرية، وعلى صناع الفن والسينما إدراك حجم هذا التأثير، كما يجب إدراك السقوط في هوة الضياع والنسيان واللاتأثير، عبر أعمال يغلب عليها الافتعال والصنعة والادعاء، ومن ثم تصبح هذه الأعمال كأنها لم تكن، أو لا تتجاوز ضجة وقتها وما نسميه الآن "التريند"، إلى وادي النسيان.
ولطالما تعاملت السينما المصرية مع رموز ذات حساسية خاصة، سواء أكانت شخصيات تاريخية أو رموزًا دينية أو فنية أو نماذج اجتماعية وعلمية ووطنية، تمثل قيمة كبيرة جدًا في وجدان الشعب، ورسخت في ذاكرته عبر الأجيال، ويحضرني هنا الفنان الكبير الراحل أحمد زكي الذي قدم صورة موازية للزعيم جمال عبد الناصر، وللرئيس الراحل أنور السادات، وفي كل منهما تفوق على نفسه تفوقًا كبيرًا ومذهلًا، حيث تناسبت الظروف في وجود مادة كتابية محبوكة، وإخراج حاذق وواع، ليكمل الفنان القدير الراحل دائرة الإبداع بأداء غير نمطي، جعل من هذين العملين قامتين فنيتين خالدتين. وعلى المستوى الدرامي يروي أحمد زكي أنه حين كان بصدد تقديم شخصية عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في رائعة "الأيام"، التي كانت من أبرز المحطات في تاريخ الدراما العربية، وقد تمكن ببراعة فائقة من رسم لوحة حية تدب فيها روح نابضة لشخصية مؤثرة ومعقدة، تركت بصمة لن تمحى في الوجدان.
يقول أحمد زكي إنه واجه اعتراضات كثيرة على ترشيحه لشخصية عميد الأدب العربي، وكان له لقاء مع الدكتور محمد حسن الزيات زوج ابنة طه حسين الذي شعر بالانزعاج لاختياره والذي تفاجأ حين وجه له أحمد زكي سؤالًا عن نكتة كان يرويها الدكتور طه حسين كإنسان يحب الضحك، وأراد أن يفهم كيف يغضب وكيف يضحك وكيف يبكي، وأكد أنه في هذا المسلسل يجسد شخصية طه حسين الإنسان، فتدفقت ذكريات الدكتور الزيات، وحكى عن الجانب الإنساني في حياة رمز مصري كبير، هو عميد الأدب العربي طه حسين، الذي كان شخصية ساخرة لاذعة وفارقة، ويقول الفنان القدير الراحل أحمد زكي في ذلك إنه راح يدرس ملامح وحركات الكفيف في صوره المتعددة التي تزيد على عشرة أنواع حتى يصل إلى درجة من الإتقان تناسب الشخصية التي يعرفها وقرأها في الأوراق ويتعايش معها.
والشاهد من كل ذلك التأكيد على ضرورة استحضار الاحترام والتقدير والاهتمام والحرص، حين يتصدى صناع السينما والدراما لتقديم شخصية لها ثقلها واعتبارها في وجدان الشعب، وبالأخص الشعب المصري الذي يمثل مرآة حقيقية وواعية ومدركة لما يقدم، وتستطيع أن ترتفع به إلى أعلى الآفاق أو تخسف به الأرض، والأمر كله يتوقف على مدى احترام الصناع لما تصدوا له، وتوخي الحذر من تشويه الصورة الملهمة لهم أو تزييف مقصود أو غير مقصود في وقائع تاريخية، أو التلميح الفج إلى رأي ينطوي على مغالطات.
وعما أثير من لغط في الفترة الحالية ولا يزال يطاله جدل كبير، من تقديم عمل يتناول ملمحًا من ملامح سيدة الغناء العربي "أم كلثوم"، هذه القامة التي ارتبطت بها الأجيال تلو الأجيال، والتي عرفت حول العالم بـ"كوكب الشرق"، فكانت رمزًا مصريًا لا يقل في تأثيره عن الأهرامات ونهر النيل، فالحقيقة الجوهرية والموضوعية كذلك ألا تكون هناك مصادرة مطلقة على الفنون، أو حتى شبهة مصادرة في حرية التناول الفني، والذي يستوجب هنا عدم إبداء آراء بطريقة "أخذ الكلام على عواهنه"، بمعنى أهمية مشاهدة العمل الفني لإعطاء النفس فرصة لتكوين رؤية ورأي من واقع تأثره أو لا تأثره بما شاهد، وهذه أهم أسس الموضوعية في التناول أن تتعرض للمادة الفنية بالمشاهدة والقراءة والاستماع.
وكما تُذكر هذه الحقيقة لابد أن تُذكر أمامها حقيقة أخرى مفادها ضرورة احترام الرأي، لأن دورك كصانع سينما ينتهي بانتهاء العمل، وما بعد ذلك فللنقاد والجمهور، الذي تكون لديه حساسية كبيرة تجاه رموزه التي تعد جزءًا من تاريخه ومن روح وطنه، وبالتالي لابد من فهم أنك حين تقول بأن تناولك للشخصية من جوانب أخرى إنسانية لتبرير أي سقطات غير مقنعة، فلابد أن تكون هذه الجوانب ليست بعيدة عن النموذج الذي عرفه الناس، بمعنى أن ترتبط الصورة بكوكب الشرق التي عرفها الجميع عبر "الغناء"، والتفرد في الطرب الذي تربعت على عرشه، ولن يحل محلها كائن آخر مهما كان، ومن ثم يتبادر السؤال عن علاقة تلك الجوانب وتأثيرها الذي أسهم في تشكيل هذه الأسطورة المناضلة منذ الصغر من أجل حلمها، والمناضلة بالفن لدعم وطنها، والفلاحة المصرية المحبة للقيم والأصول، والشخصية ذات المهابة التي كانت شرفًا لزعماء وقادة العالم حين يصافحونها، والصوت الأثير الأكبر إدهاشًا عبر التاريخ، يتحلق الجمهور حول المذياع في البيوت والمقاهي لسماع وصلاتها، ويصرخ جمهور المسرح الذي تقف عليه يرجونها إعادة المقطع الذي تعيده مرات ومرات، وفي كل مرة بطريقة مغايرة وأكثر إمتاعًا وإبداعًا، فهل كان التناول لتلك الجوانب المجهولة مقربًا ومصورًا لتلك الشخصية، وهل اقتنع المشاهد؟ هذا هو السؤال، وبالإجابة عنه التي أظنها ليست صعبة، ينقشع الكثير من اللغط والجدل، ويبقى فيما بعد الفيلم في الوجدان، أو يصير مثل فقاعة سرعان ما تختفي.