هناك فرق كبير بين أفلام الخيال العلمي التي تحترم عقلية المشاهد، وبين أفلام سوبرمان والرجل الوطواط والمتحولون، التي تحاول نسج أبطال وأوهام من ورق..
وفيلم "ذا أيلاند" أو "الجزيرة" الذي يحكي قصة مستنسخين يعيشون في منشأة معزولة ظنًّا منهم أنها ملاذ آمن من عالم ملوث، ليكتشفوا أنهم مجرد "قطع غيار" لأشخاص أثرياء، من تلك النوعية التي لا تحلق بذهن المشاهد في آفاق الوهم، بل في دائرة ما يمكن تصوره من خيال علمي..
تذكرت هذا الفيلم وأنا أتابع التصريحات المثيرة للجدل التي أطلقها الملياردير الأمريكي إيلون ماسك، حيث أعاد فتح ملف الخيال العلمي القديم حول إمكانية تحميل الوعي البشري إلى الروبوتات، مما يحقق "الخلود الرقمي".. أو هكذا يتصور!!.
إذ يقول ماسك إنه مع التقدم السريع في واجهات الدماغ والكمبيوتر، وخاصة من خلال شركته نيورالينك، "قد" يصبح من الممكن المحافظة على أفكار الشخص وذكرياته وشخصيته كبيانات رقمية، ونقل تلك البيانات إلى روبوتات بشرية مثل أوبتيموس تيسلا، مما يسمح لنسخة رقمية لشخص ما بالاستمرار في وجودها بعد فترة طويلة من اختفاء جسمه "البيولوجي"!!
ورغم أن الفكرة كثيرًا ما تناولتها الأفلام والروايات من عينة "ذا أيلاند" وغيره، إلا أن ماسك يرى أنها لم تعد مجرد تصور مستقبلي بعيد، بل قد تصبح واقعًا تقنيًّا خلال العقود المقبلة بفضل التطورات المتسارعة في واجهات الدماغ والكمبيوتر.
هذه التصريحات تأتي في وقت عرضت فيه شركته بالفعل أولى نتائج تجاربها على البشر، حيث تمكنت من زرع شريحة دماغية سمحت لمريض مشلول بالتحكم في جهاز كمبيوتر فقط عبر التفكير.
لكن رغم ذلك، تبقى الأسئلة العلمية والأخلاقية أكبر بكثير من الإجابات المتوافرة. فالخبراء يقولون إن الوعي ليس مجرد ذكريات وقرارات، بل منظومة معقدة من الأحاسيس والتجارب الذاتية والعمليات العصبية الدقيقة التي لم تُفهم بالكامل حتى الآن، ما يعني ببساطة استحالة استنساخ الوعي.
وحتى لو نجح العلماء في نسخ محتوى الدماغ رقميًّا، سيظل السؤال المهم مطروحًا: هل ستكون النسخة الرقمية هي الشخص نفسه، أم مجرد صورة ذكية تشبهه دون أن تمتلك تجربته الداخلية الحقيقية؟!
كما تبرز مخاوف أخرى تتعلق بالخصوصية والهوية والسيطرة على البيانات. فإذا أصبح العقل قابلاً للتخزين، فمن سيملك هذه البيانات؟ وما الضمانات لمنع إساءة استخدامها أو التلاعب بها؟ وهل قد يؤدي الخلود الرقمي إلى خلق فجوة جديدة بين من يمتلكون القدرة على "البقاء" ومن لا يستطيعون الوصول إلى هذه التكنولوجيا؟
الجانب الثقافي والديني حاضر بقوة في النقاش. ففكرة "الخلود الرقمي" ـ إن صح التعبير حسبما يزعمون ـ تثير تساؤلات حول معنى الحياة والموت، وعما إذا كان السعي إلى البقاء الأبدي داخل روبوت، في حال تم نسخ محتوى الدماغ رقميًّا، يشكل تحديًا للسنن الكونية، وخلق الإنسان التي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الفناء هو نهاية ومصير الإنسان، فرب العزة سبحانه وتعالى كتب على نفسه البقاء، وكتب على جميع خلقه "الفناء".
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل حقيقة أن التكنولوجيا تتقدم بوتيرة غير مسبوقة، وأن كثيرًا مما كان يبدو ضربًا من المستحيل أصبح واقعًا خلال سنوات قليلة.
خلاصة القول، إنه في الوقت الذي يحذر فيه الخبراء من أن "مجرد التفكير" في نقل الوعي الحقيقي ينطوي على تحديات أخلاقية وعلمية هائلة. ولو افترضنا جدلاً إمكانية نسخ البيانات والذكريات، فمن غير الواضح ما إذا كان "العقل الرقمي" سيكون أنت بالفعل - أو مجرد محاكاة لك... بالتأكيد "إن حدث" فسيكون مجرد محاكاة.