قلت في مقال سابق ولا زلت متمسكاً بالقول إن قضية الديون الخارجية تمثل التحدي الأخطر والهم الأكبر الذي يواجه الاقتصاد المصري، رغم ما تحقق من إصلاحات إيجابية كثيرة كان لها بالغ الأثر في تصحيح المسار وإعادة هيكلة مكونات الاقتصاد ووضعه على طريق النمو الذي يوفر ضمانات التنمية المستدامة.
وقد أحسن الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، صنعاً حين استعرض قبل أيام وفي مقال نادر قضية الديون نشره على صفحة مجلس الوزراء تحت عنوان: "الدّيْن بين لحظة الذروة ومسار التصحيح: كيف تقرأ الدولة عبء اليوم؟"؛ فقد حمل المقال رؤية جادة للحكومة للتعامل مع هذه القضية الحيوية وما تشكله من أعباء معيشية على المواطنين؛ لأنه بلا شك هناك لغط كبير وجدل واسع لا يتعاطى بموضوعية مع هذه القضية، مع غياب واضح للمعلومات والسياسات واتهامات للحكومة بالتوسع المفرط في الاستدانة، مما شكل عبئاً كبيراً على الموازنة حتى أصبحت الديون تلتهم أكثر من 50% من الإيرادات، الأمر الذي وضع المواطن تحت وطأة تكاليف الحياة وضغوط اقتصادية غير محتملة بسبب تراجع الإنفاق العام، وعدم قدرة الدولة على مواجهة هذه الأعباء، ما خلق معادلة صعبة تخنق المجتمع بين ديون مرتفعة وضغوط معيشية متصاعدة.
رئيس مجلس الوزراء اعترف بكلفة الديون على المواطن، إلا أنه أكد أن هذه القضية لم تكن من صنع الحكومة، بل جاءت نتيجة تداعيات جيوسياسية وتطورات اقتصادية لاحقت كل دول العالم منذ انتشار وباء كوفيد، ومرورًا بحرب روسيا وأوكرانيا، ثم أزمة التضخم العالمية، وهى الأسباب التي دفعت الدولة إلى الاستدانة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ودعم قدرات الاقتصاد المصري على امتصاص مثل تلك الصدمات التي طالت معظم دول العالم.
ومع تقديرنا لموضوعية هذا الطرح، تظل هناك وجهة نظر معتبرة ترى ضرورة الموازنة الدقيقة بين وتيرة الاقتراض والموارد المحدودة، مع التأكيد على أن تلك القروض قد سُخرت لخدمة مشروعات قومية كبرى في البنية التحتية، والتي نراها اليوم ركيزة أساسية للتطور الاقتصادي المنشود."
رئيس مجلس الوزراء طرح في مقاله ما يمكن وصفه بالالتزامات والتعهدات التي تقطعها الحكومة على نفسها لحل هذه القضية أمام الرأي العام، الذي يعد في تقديري عنصرًا مهمًا وحاسمًا في حل تلك المعضلة؛ لأن أي سياسات تتخذها الحكومة في هذا الملف يتوقف نجاحها على وجود ظهير شعبي داعم لها ويتحمل أعباءها عن طيب خاطر؛ بغية الوصول إلى حلول ترسم صورة مستقبل جديد تتلاشى فيه الأزمات وتتراجع الأعباء.
ولم يبالغ الدكتور مدبولي حين اعتبر قناعة الرأي العام بأنها تمثل التحدي الأكبر أمام الحكومة، واصفًا إدارة هذه اللحظة مع الرأي العام بأنها لن تكون عبر التقليل من حجم العبء أو إنكاره، بل عبر وضعه في سياقه الصحيح، وشرح أسبابه وحدوده، والمسار المتوقع لتفكيكه؛ فالأزمات المالية -كما يقول- لا تُقاس فقط بحدّة أرقامها، بل بقدرة الدولة على تحويلها من نقطة ضعف إلى دافع لإعادة الانضباط، ومن ضغط آني إلى مسار تصحيحي طويل النفس، يُقاس نجاحه بمرور الوقت وبالأثر الحقيقي.
وهنا ما دامت الحكومة يهمها مساندة الشعب لسياسات إدارة الدين "التنموية"، فلا بد من دور فاعل للبرلمان بغرفتيه باعتباره ممثل الشعب في مراقبة أداء وإدارة الحكومة لهذا الملف، واعتبار الحلول والتعهدات التي قدمها رئيس مجلس الوزراء لقضية الدين بداية النهاية لهذه القضية، وعدم تكرار أخطاء الماضي.
ولعل من الأهمية بمكان مراجعة التطلعات التي أُعلنت قبل عامين بشأن كبح جماح الاقتراض، وإعادة ترتيب أولويات المشروعات القائمة، خاصة مع استمرار الحاجة إلى التمويل التي أدت لوصول حجم المديونية إلى نحو 162 مليار دولار، مما يتطلب تضافر الجهود لضبط هذا المسار."
ووجهة نظر الحكومة، كما طرحها رئيس مجلس الوزراء في التعامل مع قضية الديون، ترتكز على تقليص الديون قصيرة الأجل التي تلتهم الإيرادات عبر تعديل هيكل الدين، وجعل غالبيته طويل الأجل، ما يوفر للدولة فرصة توجيه نسبة أكبر من الموارد إلى برامج ومشروعات تدعم تحسين أحوال المواطنين، وقد نجحت الحكومة بالفعل في رفع نسبة الديون طويلة الأجل إلى 81% من إجمالي المديونية، بما يقلل من ضغوط إعادة التمويل.
بمعنى أن الموارد الجديدة سيذهب جزء كبير منها للداخل، بدلاً مما كان يتجه للخارج لسداد ديون في حالة ما كان الاقتراض قصير الأجل، إضافة إلى أن الحكومة أدخلت آلية مبادلة الديون في مشروعات إنتاجية جديدة على أرض مصر، مما يشكل قيمة مضافة للاقتصاد المصري، وهو ما يصنع الفارق بين الدّيْن الذي يضغط على الموازنة ويزاحم الإنفاق الاجتماعي، والدَّيْن الذي يُعاد توجيهه، أو يُستبدل بتدفقات استثمارية تخفف عبء السداد وتدعم النمو.
المؤكد أن هذه الرؤية في إدارة الدين تقدر وتحترم، ما دامت مدروسة، وتحافظ على أصول الدولة وقيمتها الحقيقية؛ إذ إنه يخشى أن نضطر إلى القيام بمبادلات غير عادلة، أو في توقيتات ليست مناسبة تحت ضغط الدين، فلا تحقق صالح الاقتصاد الوطني، أو تكون نتائجها غير فعالة بالدرجة المطلوبة.
ومن زاوية أخرى، حين تدقق في رؤية رئيس الحكومة للتعامل مع الديون الخارجية نلمس عدة محاور يتم العمل عليها، في مقدمتها أن قضية خدمة الدين تمر بذروتها حاليًا، لكن لم يحدد رئيس مجلس الوزراء كم تستغرق هذه الذروة للخروج منها، حتى يكون المواطن على دراية أو علم بما يمكن أن تشكله هذه الذروة من أعباء أو تداعيات.
كما أن محور العمل الثاني يركز على الانتقال من اقتصاد يعتمد على تدفقات دَيْن سريعة إلى اقتصاد يجذب استثمارات طويلة الأمد، ويُعيد توزيع أعباء القروض من خلال التمويل طويل الأجل، وهذا كله لا يتم دون كُلفة، أو دون ضغوط اجتماعية ومالية.
لكن الفارق الجوهري في هذه الرؤية في إدارة الدين يكمن في أن هذه الكُلفة -رغم تداعياتها وقسوتها المجتمعية- تستهدف كسر حلقة الاستدانة المتكررة، وإعادة بناء علاقة أكثر توازنًا بين التمويل والنمو.
ولا شك أن هذا التوجه يعكس إرادة حكومية حقيقية؛ لإنهاء هذا الملف، وكسر دوامة الاستدانة، ما يتطلب خطة عمل صارمة ومعلنة أمام الشعب، وتخضع لرقابة مشددة من البرلمان.
وفي تقديري أن ما أشار إليه رئيس مجلس الوزراء في ختام مقاله حول اعتزام الحكومة الإعلان خلال أيام عن حزمة سياسات لخفض أعباء الدين، وتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على النمو؛ بما ينعكس على تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين هو البداية الحقيقية والحاسمة في حل هذه القضية، وهو ما يعني تنفيذ سياسات ترفع من معدلات التدفقات المالية للاقتصاد القومي، بما يساعده على النمو مع زيادة الإنفاق على الخدمات الجماهيرية؛ وهنا يمكن أن تتشكل قاعدة شعبية داعمة للحكومة، ما دام المواطن شعر بأن هناك سياسات جادة لتحسين أحواله وضمان مستقبل أبنائه.
لكن السؤال: ما دامت الحكومة لديها هذه الرؤية وتلك الأفكار التي تخفف الأعباء عن المواطنين عبر إدارة جديدة لملف الديون، فلماذا لم تخرج هذه الرؤية الواعدة إلى النور في وقت سابق؟ عمومًا أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي!!
[email protected]