من المؤكد أن البيئة الأمنية الإقليمية والدولية المحيطة ببلاد الشمس المشرقة قد باتت أكثر خطورة عما عاصرته -عن قرب- على مدار ربع قرن تقريباً، وتحديداً منذ بدء مهامي كمراسل للأهرام بالعاصمة اليابانية طوكيو في 19 ديسمبر 2001.
في أثناء زيارتي الأخيرة لطوكيو (منذ أقل من شهرين) لم يتوقف الحديث مع مسئولين ودبلوماسيين وأصدقاء -يابانيين وأجانب- عما أسموه: بالتهديدات النووية والعسكرية الصينية لليابان في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وكذلك الأطماع الروسية بالجزر الشمالية للأرخبيل، بالإضافة إلى حجم المخاطر المحدقة بالأمن القومي الياباني نتيجة لتطوير البرامج النووية والصاروخية الكورية الشمالية.
عقب الزيارة، نشرت صحيفة ماينيتشي (Mainichi) تصريحاً منسوباً لرئيسة مجلس الوزراء اليابانية، تاكايتشي ساناي، أعربت فيه عن تأييدها لنشر الأسلحة النووية الأمريكية بالأراضي اليابانية، مشيرة إلى أن حظر دخول هذه الأسلحة يضعف قدرة الردع النووية الأمريكية، مما يتطلب مراجعة القيود المفروضة عليها.
أيضاً، تصاعدت المناقشات في اليابان لامتلاك غواصات تعمل بالطاقة النووية لتعزيز القدرات الدفاعية وردع التوسع البحري المتزايد للصين، في ضوء موافقة الولايات المتحدة على خطة كوريا الجنوبية لبناء تلك الغواصات.
وصرح وزير الدفاع الياباني، كويزومي شينجيرو، بأن البيئة الأمنية المحيطة باليابان قاسية للغاية، ومناقشة امتلاك غواصات تعمل بالطاقة النووية أمر طبيعي، تماشياً مع ما يحدث في كل من الولايات المتحدة والصين، وكذلك خطط أستراليا وكوريا الجنوبية.
هذه التهديدات التي تشهدها البيئة الأمنية لليابان دفعت بمسئول حكومي بمكتب رئيسة مجلس الوزراء اليابانية -لم يذكر اسمه- للإدلاء بتصريحات يوم الخميس الماضي -خارجة عن المألوف ومثيرة للجدل- جاء فيها أن اليابان ينبغي أن تمتلك أسلحة نووية لتعزيز قدراتها الرادعة، في بيئة أمنية إقليمية ودولية تزداد خطورة.
داخلياً: وزير الدفاع الياباني السابق وعضو الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم، الجنرال ناكاتاني، وجه انتقادات واضحة للتصريحات المنسوبة للمسئول الحكومي الرفيع، مؤكداً ضرورة الالتزام بالمبادئ الثلاثة المناهضة للأسلحة النووية، وهي: عدم امتلاك الأسلحة النووية، عدم إنتاجها، وعدم السماح بإدخالها إلى اليابان.
المتحدث باسم الحكومة اليابانية، كيهارا مينورو، أبلغ الصحفيين أنه على علم بتصريحات المسئول الحكومي -المثيرة للجدل- من خلال التقارير الإعلامية، ورفض التعليق عليها، وأكد أن موقف اليابان يظل ثابتاً بدون تغيير، وتلتزم التزاماً راسخاً باستمرار السلام والازدهار العالميين، وبالمبادئ الثلاثة المناهضة للأسلحة النووية، بوصفها سياسة وطنية ثابتة. أيضاً لأن اليابان هي الدولة الوحيدة التي تعرضت للقصف الذري في أثناء الحرب العالمية الثانية، وتقع على عاتقها مهمة قيادة الجهود نحو عالم خال من الأسلحة النووية، وضمان عدم استخدامها مجدداً.
كيهارا مينورو نفى -بشكل قاطع- إمكانية ما يعرف بالمشاركة النووية، التي تشير إلى إمكانية نشر أسلحة نووية أمريكية داخل اليابان، وقال: "إن هذا الخيار غير مقبول على الإطلاق في ضوء المبادئ الثلاثة وكذلك القوانين المعمول بها محلياً".
إقليمياً ودولياً: اتهمت صحيفة رودونج سينمون الكورية الشمالية اليابان بمحاولة إعادة تسليح نفسها، قائلة إن هذا التطور "لا يهدف إلى تحقيق السلام والأمن على الصعيدين الوطني أو الإقليمي، بل يشكل تحدياً خطيراً للسلام". كما اتهمت الصحيفة اليابان بمحاولة تبرير سعيها لتصبح قوة عسكرية عظمى، وحشد الرأي العام لصالح زيادة إنفاقها الدفاعي، وتعديل دستورها، وتوسعها عسكرياً بالخارج.
كما أشارت الصحيفة الشمالية إلى أن "هذا يذكّرنا بتاريخ اليابان في غسل أدمغة شعبها لدفعه إلى خوض حرب عدوانية بهدف إقامة منطقة الازدهار المشترك لشرق آسيا الكبرى"، مستشهدة بطموحات اليابان الإمبريالية خلال الحرب العالمية الثانية. وأضافت: "على اليابان أن تستخلص العبرة من التاريخ، وأن أي تحدٍ للسعي العالمي نحو السلام هو عمل سافر لن يؤدي إلا إلى تسريع زوالها"!
من جانبه، صرح المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، بأن روسيا تراقب عن كثب تصريحات -سابقة- لرئيسة مجلس وزراء اليابان، التي تعتبر أن الوضع الأمني في المنطقة المحيطة باليابان هو الأسوأ منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتدعم تعزيز القدرات الدفاعية للبلاد، وتوطيد العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وأشار المتحدث إلى شيوع حالة من عدم اليقين تجاه ما يتردد عن توجهات حكومة تاكايتشي بمراجعة مبادئ السياسة الدفاعية اليابانية -التي تشمل حالياً وضع البلاد غير النووي- وإعادة النظر في المادة التاسعة من الدستور، التي تنص على أن اليابان تمتنع إلى الأبد عن الحرب كحق سيادة للأمة، كما تنص على التخلي عن امتلاك قوات مسلحة، والتهديد بالقوة المسلحة واستخدامها في القضايا الدولية.
في العاصمة الصينية بكين، صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية، قوه جيا كون، بأن التوجه الخطير نحو إحياء النزعة العسكرية اليابانية قد وضع دول وشعوب المنطقة بحالة تأهب قصوى، ودعا الجانب الياباني للتفكير في أخطائه وتصحيحها.
العلاقات اليابانية الصينية تمر بأسوأ مراحلها حالياً، تحديداً بعد التصريحات التي أدلت بها تاكايتشي ساناي -في بداية ولايتها منذ نحو شهرين- بخصوص مشكلة تايوان، واصفة حالة طوارئ بالجزيرة بأنها إجراء يمكن أن يهدد بقاء اليابان.
رئيسة الحكومة اليابانية أكدت أنه لا تغيير في موقف طوكيو تجاه قضية تايوان، وستواصل شرح هذه النقطة لبكين والعالم على مختلف المستويات، مشيرة إلى أن الصين جارة مهمة، وتوجد مخاوف أمنية بما فيها الأمن الاقتصادي تجاه بكين لابد من تبديدها، وتعزيز العلاقة الإستراتيجية ذات المنفعة المتبادلة بين البلدين.
بقي أن أشير إلى أن الحكومة اليابانية تعتزم طلب ميزانية دفاعية قياسية تتجاوز 9 تريليونات ين، أي ما يعادل 58.12 مليار دولار، بهدف تعزيز القدرات الدفاعية، بما فيها نظام دفاع ساحلي قائم على الطائرات المسيّرة وقدرات مضادة للهجمات. تخطط الحكومة اليابانية -كذلك- لإنفاق 43 تريليون ين، أو حوالي 277.67 مليار دولار، بين السنة المالية 2023 و2027، ويتضمن مشروع ميزانية الدفاع المقبلة تعزيز قدرات الدفاع عن بعد، لمهاجمة الأهداف من خارج نطاق أسلحة العدو.
كذلك، تسعى حكومة تاكايتشي ساناي لحشد الرأي العام والسلطة التشريعية للانتباه للمخاطر الأمنية المحيطة بالبلاد، مما يجعل رفع ضريبة الدخل أمراً ضرورياً لتأمين تمويل الإنفاق الدفاعي. ولا يزال النقاش قائماً داخل الائتلاف الحاكم، المكون من الحزب الليبرالي الديمقراطي وحزب تجديد اليابان، حول توقيت اتخاذ القرار.
[email protected]