قصة: ضد مجهول
تحكي القصة عن ضابط مباحثٍ يحقق في سلسلةٍ من جرائم القتل الغامضة. القاتل لا يترك أي أثرٍ سوى حبلٍ مربوطٍ على رقبة الضحية، ولا يسرق شيئاً، ولا يوجد أي دافعٍ مفهومٍ للجريمة. يجد الضابط نفسه حائراً، مشوشاً، وعاجزاً عن التفسير، ويساوره شعورٌ خفيٌّ وغامضٌ بعد أول جريمةٍ أن تلك الجرائم لن تنتهي.
ورغم تاريخه المشرف في مكافحة الجريمة فهو يعاني شعوراً بالهزيمة لم يجرّبه من قبلُ. بالفعل تتكرر الجرائم وتحدث إحداها تحت شرفة مكتبه بقسم الشرطة وكأن المجرم يتحداه.
في لحظة يأسٍ، يتمنى لو يقدّم حياته فداءً لوقف هذه الحوادث، وتحاول زوجته التخفيف عنه بالتأكيد أنه لا ذنب له. في نهاية القصة، يزور زوجته بالمستشفى عقب ولادة ابنته، وأثناء عودته للعمل يحس بدوارٍ وهو يفكر في الحياة والموت الغامض الذي يتكرر بحبلٍ حول العنق ويشتد عليه الدوار فجأةً. يعلم رئيسه في العمل بقرار نقله من المحافظة ويأسف لذلك، وعندما يزوره في مكتبه ليبلغه بالقرار، يجده مقتولاً بحبلٍ ملفوفٍ حول رقبته. يجتمع كبار رجال الجهاز ويقرروا عدم نشر أي شيءٍ مراهنين أن الجمهور سينسى الموضوع مع الوقت.
قراءة متعمقة: هل الضابط هو القاتل؟
كما في كثيرٍ من قصص نجيب محفوظ، التلميح أبلغ من التصريح، والحقائق تُترك للقارئ ليكتشفها بنفسه من خلال الرموز.
عند التأمل في التفاصيل، تبرز إشاراتٌ توحي بأن الضابط نفسه قد يكون هو القاتل، وأنه مصابٌ بازدواجٍ في الشخصية. هذه بعض العلامات:
١. قراءة التصوف سراً دون مرشدٍ
في إحدى الفقرات نعلم أنه يميل لقراءة الصوفية، ولكنه يقرأها سراً لعدم انسجامها مع مهنته. الصوفية في عالم محفوظ ليست مجرد هوايةٍ فكريةٍ، بل تجربةٌ وجوديةٌ محفوفةٌ بالخطر والضياع. الدخول في عوالم التصوف دون مرشدٍ أمرٌ خطرٌ قد تنتج عنه حالةٌ من الانقسام الداخلي، وربما إلى محاولة فهم الحياة والموت من خلال تجارب خطرةٍ. لاحظ أيضاً أن الضابط كان يعاني من شعورٍ بالذنب -غير مبررٍ- بسبب عجزه أمام لغز الجرائم.
٢. إحدى الجرائم وقعت قربه
هذا التفصيل ليس بريئاً. القرب المكاني من الجريمة قد يشير إلى تورطٍ مباشرٍ، أو إلى انفصامٍ نفسيٍّ يجعله يعيش حياةً مزدوجةً: ضابطاً نهاراً، وقاتلاً ليلاً.
٣. "الدوار" قبيل الوفاة
حالة الدوار التي جاءته عقب زيارة زوجته في المستشفى، وقبيل العثور عليه مقتولاً في قسم الشرطة تعطي إشارةً ما. الدوار في أدب محفوظ غالباً ما يُشير إلى لحظة اختلالٍ أو عبورٍ بين حالتين: الوعي واللاوعي، العقل والجنون، النظام والفوضى. ربما تمثل هذه لحظةً تحوّلاً داخليّاً، حيث تتغلب شخصية القاتل على صورة الضابط.
٤. اجتماع القيادات الأمنية بعد موته
اختيار القيادات أن تُغلق القضية إعلاميّاً بعد موت الضابط، ورهانهم أن الإعلام سينساها مع الوقت، يُلمّح إلى أن الضباط فهموا من هو القاتل الحقيقي، ولكنهم آثروا الصمت. وكأنهم يقولون: لن نُحرج أنفسنا بفضح الحقيقة.. القضية أغُلقت الآن وبعدم النشر ستُنسى مع الوقت.
ختاماً.. "ضد مجهول" ليست فقط قصةً بوليسيةً، بل مرآةٌ لصراعٍ داخليٍّ يغلفه الغموض والرمز. الضابط لا يلاحق قاتلاً بقدر ما يطارد سؤالاً: أيُّ جزءٍ فينا يطعن الجزءَ الآخر، ثم يترك مسرح الجريمة نظيفاً؟ يمزج الواقعي بالرمزي، كما يمزج الضوءُ ظلَّه؛ تحقيقٌ بوليسيٌّ على السطح، وفي العمق تحقيقٌ في هوية الكائن الملتبس بين ضابطٍ يطلب النظام وقاتلٍ يستدعي الفوضى. الدوار ليس عارضاً جسديّاً بل عتبة عبورٍ، والقرب من مسرح الجريمة ليس مصادفةً بل مرآةٌ لاقتراب النفس من شقّها المعتم. وحين تختار المؤسّسة الصمت، تتبدّل حبكة الجريمة إلى استعارةٍ عن مجتمعٍ يفضل سلامة الصورة على جلاء الحقيقة.
هكذا يتركنا محفوظ عند التخوم: واقعيةٌ تُمسك بتفاصيل العالم، ورمزيةٌ تُضيء ما لا يُقال.