هناك شيءٌ أخطر من الجريمة نفسها، أخطر من الصدمة والغضب والضجيج، فالأسئلة التي تكشف ما وراء الجريمة والإجابة عنها هي المهمة الأخطر على الإطلاق.
فبعدما فاحت رائحة حوادث التحرش بالأطفال، سواءٌ كانحرافاتٍ فرديةً أو حوادث شاذةً، باتت تكشف وحشيةً وتجاوزًا لكل ما هو خاصٌّ وغالٍ ومقدسٌ ومحصنٌ، وتشير إلى خللٍ عميقٍ في المشهد العام، يكشف أن صراع القوى في العالم يتخذ جميع الطرق ويستبيح كل الأسلحة، وأخطرها ذلك الذي يستهدف المجتمع من جذره الأول: الأسرة.
فإعادة تعريف مفهوم الأسرة بات اليوم معركةً لا تحتمل الرمادية، والقوى التي تحرك هذا التيار العالمي الغامض لا تعرف البناء، ولا تؤمن به، بل لا تتقن سوى الهدم الممنهج، ويبدأ بتفكيك الأسرة، وبث الخلافات بين الزوجين، وتعميق الفجوة في التواصل والتفاهم بين الرجل والمرأة، وهو ما يؤثر سلبيًّا على العلاقة الزوجية والحياة الأسرية، ثم تقليصها، حيث تنخفض تدريجيًا نسب الإقبال على مشروع تكوين أسرةٍ خاصةً بين الشباب المتعلم المتحقق، ثم تأتي مرحلة الدفع إلى احتمالاتٍ «أسريةٍ» أخرى لا تمت إلى الطبيعة ولا إلى الإنسانية بصلةٍ.
إنهم يسعون إلى كسر النموذج الفطري الذي عرفه الإنسان منذ نشأته الأولى، ومحاولة فرض «نماذج جديدةٍ» وكأن وجود أبٍ وأمٍّ وأطفالٍ صار صيغةً قابلةً للتفاوض.
والبداية دائمًا تكون من الحلقة الأضعف: الطفولة. من تلويث البراءة، ومن كسر الرابط الفطري بين الأبناء وآبائهم، وهناك تحديدًا يبدأ مخطط إعادة تعريف الأسرة تحت لافتاتٍ مصنوعةٍ بإتقانٍ: «التقدم»، «الانفتاح»، «الفكر الجديد»! ولكنها ليست تقدمًا ولا فكرًا، بل خطةٌ واضحةٌ لهدم البنية الطبيعية للمجتمع واستبدالها بتكويناتٍ بشريةٍ سائبةٍ، بلا جذورٍ، أو ميثاقٍ، أو هويةٍ.
العالم كله يعيش اليوم حالة ارتباكٍ غير مسبوقةٍ حول مفهوم الأسرة، القضية التي يُراد لها أن تبدو قابلةً للنقاش، بينما في أصلها أبعد ما تكون عن ذلك. فمن يجرّ الإنسانية إلى إعادة تعريف أبسط حقائقها لا يريد أسرةً، ولا مجتمعًا متماسكًا، بل يريد كتلاً بشريةً يمكن إعادة تشكيلها بحسب السياق والهوى والقوة الأكثر نفوذ.
والنكبة الحقيقية، بكل ما تحمله الكلمة من ثقلٍ، هي السماح لهذه الأفكار أن تمر من دون مقاومةٍ، لذا فجرائم التحرش بالأطفال ليست مصادفةً، بل جريمةٌ نكراءُ، تسعى إلى إعادة تشكيل وعي الأجيال عبر تحطيمهم في اللحظة التي لا يملكون فيها أي قدرةٍ على الدفاع عن أنفسهم. وهذه وحدها تجعلها أحد أكبر الجرائم ضد الإنسانية.
وفي مصر، تصل مكانة الأسرة إلى التقديس، منطقةٌ محرمٌ الاقتراب منها، فهي آخر ما تبقى من ثوابت العالم. وأي مساسٍ بها ليس تجاوزًا، بل اعتداءٌ صريحٌ يستوجب الرد. وفي الوعي المصري، هناك عبارةٌ لا تتغير عبر الأزمنة: «المساس بالبيت تطير فيه رقاب».
ورغم خطورة المشهد العالمي الذي يصارع هذا المخطط سنواتٍ وسنواتٍ، فإن مصر لا تُؤتى من هذا الباب. حين تحركت الأمهات، لم يتحركنَّ كضحايا، بل كقوةٍ صادمةٍ كشفت المستور. ما فعلنه لم يكن دفاعًا عن أطفالهنَّ فحسب، بل دفاعٌ عن هوية وطنٍ بأسره. كل أمٍّ مصريةٍ تكشف حقيقةً، أو تحمي طفلاً، أو ترفع صوتًا، تتحول إلى خط دفاعٍ أول لا يمكن كسره. ولولا شجاعتهنَّ لكانت الحقيقة اليوم في مكانٍ آخر.
فالمرأة المصرية، حين تُمسّ حرمتها أو حرمة من تحب، تتحول إلى درعٍ وسيفٍ. لا تخشى، ولا تتراجع، ولا تنتظر، وتدافع بشراسةٍ تليق بتاريخ بلدٍ لم يسمح يومًا بأن يُنتزع منه شيءٌ دون مقاومةٍ. أما الرجل، بطبيعته الفطرية، فهو حامي الحمى وبوصلة البيت وركيزته، مهما حاول البعض جره خارج مساره الطبيعي، فإن دوره يتأكد كلما تعرّضت الأسرة لتهديدٍ.
وهكذا تصبح ما يسمى بإعادة تعريف الأسرة معركةً وصراع وجودٍ ذا أبعادٍ مختلفةٍ تمس مجتمعًا كاملاً، معركةً على هوية أجيالٍ واستقرار وطنٍ.
ومصر، بما فيها من وعيٍ وصلابةٍ وحدسٍ فطريٍّ لا يخطئ، تعرف تمامًا أين تقف. فالأسرة خطٌّ لا يُمس، والطفولة خطٌّ لا يُمس، وأي محاولةٍ للعبث بهما ليست اختلافًا في الرأي، بل عدوانٌ صريحٌ يستوجب المواجهة.. وبكل قوةٍ.