يهتم الأهل بتوفير الأفضل للأطفال في التعليم والطعام والملابس ولا يتوقف -مع الأسف- الكثيرون عند تعليمهم مهارة اتخاذ القرارات، ويقومون بأخذها نيابةً عنهم؛ لأنهم يعرفون مصالحهم أكثر منهم، وهذه حقيقةٌ لا جدال فيها؛ ولكن ماذا عن تعويدهم -دون قصدٍ- الاعتمادية على الأهل ثم الأصدقاء لاتخاذ قراراتهم؟
ماذا عن فقدانهم الثقة بأنفسهم واحتياجهم الدائم للآخرين ليقولوا لهم كيف يتصرفون؟
ماذا عن وقوعهم تحت سيطرة أصدقائهم الذين لا يمتلكون الخبرة الكافية؟ وأحيانًا تكون نواياهم سيئةً ويستغلونهم أسوأ استغلالٍ؛ فتتضاعف عدم ثقتهم بأنفسهم وفي الآخرين.
نكاد نسمع اعتراضًا بأن الصغار لا يستطيعون الاختيار، ونرد بكل الود والاحترام: بل يستطيعون منذ بدء الإدراك.
عند شراء ملابس يمكن للأم أو الأب اختيار أكثر من قطعةٍ يتوافر فيها الجودة والسعر المناسب واللون الملائم للطفل أو للطفلة، ثم عرضها عليه ليختار بينها، وسنحقق أهدافًا مختلفةً؛ فسيفرح الطفل بالاهتمام برأيه وسيتعلم الاختيار بين أكثر من شيءٍ؛ فلن يأخذها جميعًا، ويُقال له: هذه الملابس تتوافر بها هذه المزايا؛ ليتدرب عمليّاً على أن القرار لا نتخذه بسبب ميزةٍ واحدةٍ فقط، وإضافة خلو هذه من عيوبٍ كاللون الذي لا يلائمه والقماش السيئ والسعر الغالي بلا قيمةٍ يستحقها.
ونفعل ذلك عند شراء اللعب وعندما نقترح عليه مشاهدة فيديو للأطفال، ونأخذ رأيه عندما يكبر قليلاً في تزيين حجرته وتعليمه التفكير قبل أن يقرر وألا يتسرع، واختيار وجباتٍ متشابهةٍ في القيمة الغذائية عند الرحلات أو في المدرسة، واختيار أي مادةٍ يبدأ بدراستها أو حل الواجب لها.
يظلم الوالدان الأطفال عندما يتخذان كل القرارات بدلاً منهم؛ لإراحة النفس من النقاش مع الأطفال، ولا يعلمان أن هذا الجهد اليسير سيمنع الكثير من المشاكل النفسية لأطفالهم، وسيحميهم بمشيئة الرحمن من الانقياد وراء أصحابهم وسيجعلهم يعتزون بأنفسهم بلا مبالغةٍ، ويرفضون التبعية بأنواعها.
يقوي اتخاذ الأطفال لبعض القرارات شخصياتهم وعقولهم، ويجعلهم يفكرون في البدائل ولا يتسرعون بقبول ما يعرض عليهم ولا يخضعون للإغراءات بسهولةٍ.
عندما يدخرون مبلغًا من المال يمكن جعلهم يفكرون في ادخاره أو شراء بعض ما يحبون والتبرع بجزءٍ منه للفقراء.
ونشجعهم للتفكير قبل الشراء؛ هل يحتاجون هذا الشيء؟ أم يشترونه فقط لتقليد أصحابهم؟ أم ليبدوا أفضل منهم؟ وتعليمهم أن قيمتهم الحقيقية ليست فيما يمتلكون ولكن في حسن أخلاقهم.
مع تقليل الكلام أثناء التوجيه؛ فلا يتجاوز الدقيقة حتى لا يشعروا بالضغط عليهم وينفروا، كما يحدث معنا نحن الكبار عندما نشعر بالحصار أثناء النصائح، أليس كذلك؟
عندما يتخذ الطفل قرارًا خاطئًا يجب ألا نقلل من الخطأ حتى لا يحزن؛ فنعلمه الاستهانة بالخطأ، ولا نقول: خذلتنا، ولن نترك لك حرية اتخاذ القرار مجددًا، بل نوضح سبب الخطأ في القرار؛ هل لأنه تسرع أو خضع لرأي أصحابه؟ أو لم يعرف المعلومات المطلوبة قبل أن يقرر؟ أم لأنه أراد إعجاب الآخرين؟
أو لأي سببٍ؛ فتوضيح سبب الخطأ في اتخاذ القرار سيمنحه الخبرة مع توضيح أن الكبار أيضًا يخطئون أحيانًا في قراراتهم لنفس الأسباب السابقة.
وتعليم الطفلٍ أن التراجع عن القرار الخطأ قوةٌ وليس ضعفًا، ونعلمه ألا يقرر وهو غاضبٌ أو مجهدٌ فسيخطئ، وأن يجمع معلوماتٍ ويلجأ لأحد الوالدين للاستشارة، وعندئذٍ يجب الاستماع إليه بصبرٍ وعدم تسفيه كلامه حتى وإن أخطأ.
وسؤاله عن القرار الذي يريد اتخاذه وتصوره لنتائجه وما هدفه منه، وما الخيارات الأخرى المتوافرة أمامه ومزاياها وعيوبها؛ لننمي عنده التفكير الجيد وعدم التسرع.
كلما تدرب الطفل على اتخاذ القرار أتقن ذلك وزادت ثقته بنفسه وتحمل المسئولية عن قراراته والعكس صحيحٌ.
مهمٌ ألا يطيل التفكير في اتخاذ القرار أيّاً كان؛ فيتحول إلى طفلٍ مترددٍ، وألا يخاف بعد أن يفكر جيّدًا ويستشير الوالدين، وألا يقررا بدلاً عنه أبدًا؛ فيكون مثل من يستطيع السير وحده ويبحث عمن يساعده على المشي، ويعطل قدراته ويؤخر نمو عقله ويضعف نفسه بيديه، ويساعده الوالدان على ذلك.
بينما إتقانه لمهارة اتخاذ القرار ستمكنه من إدارة حياته للأفضل والتعلم من القرارات الخاطئة والاعتراف بها ومنع تكرارها ورفض التشبث بها بعنادٍ؛ فالجميع يخطئ.
والأذكياء وحدهم يرفضون تكرار الأخطاء ويتعلمون منها، مع تجنب معايرته بقراراته الخاطئة مهما كانت، وتذكيره بأنه يستطيع الأفضل ويستحقه، فالمعايرة تبعده نفسيًّا وعاطفيًّا عن الاستفادة من خبرات الوالدين، وتزرع جفوةً بيه وبينهم أيضًا ولو بعد حينٍ.
يجب تعليم الطفل أن اتخاذ القرار ليس مسألة حياةٍ أو موتٍ؛ فلا يستنفر طاقاته ويجهد عقله، ونجعله يقرر أي رياضةٍ يريد ممارستها بعد شرح تفاصيلها، ونمنحه الوقت الكافي للتفكير بلا إلحاحٍ.
المهارة تبدأ بالممارسة بخطواتٍ بسيطةٍ وتتراكم؛ فلنجعل الطفل يثق بنفسه بلا غرورٍ، ولا نبالغ بامتداح قراراته فيرفض النصائح، ولا نقلل منها فيكره اللجوء إلينا، ولنكن وسطًا.
ونفضل إخبارهم ببعض القرارات التي نتخذها وأسبابها ليكتسبوا الخبرات، وليفرحوا بأننا نهتم بإخبارهم بأمورنا وليفعلوا مثلنا ويخبروننا بشئونهم.