"الكتاب الأبيض" بيان القاهرة للعالم

20-12-2025 | 10:48

نحن نعيش لحظةً تاريخيةً نادرةً، لحظةً تخرج فيها دبلوماسيةٌ عريقةٌ مثل الدبلوماسية المصرية من قوالبها المؤسسية المحافظة لتصافح الرأي العام، محليًّا وعالميًّا، بوثيقةٍ علنيةٍ بالغة الخصوصية والصراحة. 

إن صدور كتابٍ أبيض بعنوان "الاتزان الإستراتيجي؛ ملامح من السياسة الخارجية المصرية في عشر سنوات" عن وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر ٢٠٢٥ ليس حدثًا إجرائيًّا عاديًّا؛ بل هو، في جوهره، إعلانٌ عن ميلاد فلسفةٍ كاملةٍ، وانتقالٌ نوعيٌّ من لغة الردود والمواقف إلى لغة الرؤية والتأصيل.

يأتي التوقيت ليعطي الوثيقة ثقلاً إضافيًّا؛ فهو يصادف ذكرى عقدٍ كاملٍ من المسئولية، في عالمٍ تشهد تحولاته اضطراباتٍ جيوسياسيةً يعجز النظام العالمي عن إيجاد مثيلٍ لها منذ نهاية الحرب الباردة. 

والأكثر دلالةً أن المفهوم المحوري نفسه "الاتزان الإستراتيجي" لم يولد في قاعات مؤتمراتٍ مغلقةٍ بين الدبلوماسيين، بل أُعلن للمرة الأولى على الملأ في أبريل ٢٠٢٤، خلال حفل إفطار الأسرة المصرية. 

في هذه الإشارة الرمزية تكمن الرسالة الأعظم: الفلسفة الجديدة ليست تكتيكًا خارجيًّا مؤقتًا، إنما هي عقدٌ اجتماعيٌّ جديدٌ مع الداخل قبل الخارج، رؤيةٌ ترى أن قوة مصر واستقلال قرارها في العالم المضطرب يبدأ من وحدة كلمتها ووضوح بوصلة شعبها.

ولكن، لماذا الآن؟

الإجابة تكمن في طبيعة العاصفة التي تهب على العالم. لم يعد المشهد الدولي يحتمل الفضاءات الرمادية؛ فخطاب "من ليس معنا فهو ضدنا" عاد بقوةٍ، يتخفى وراء شعاراتٍ متنوعةٍ، فيما تدفع القوى الصاعدة والمتوسطة، تحت وطأة الاستقطاب الحاد بين واشنطن وموسكو وبكين، إلى اختيار جانبٍ. 

وتقف مصر، بثقلها الحضاري وموقعها الإستراتيجي الذي تمر عبره ١٢٪ من التجارة العالمية، في قلب هذه العاصفة. 

تاريخها الحديث نفسه هو سجلٌّ حافلٌ بتكاليف الانحياز الكامل، من معسكرٍ إلى آخر. وهي تدرك، أكثر من أي وقتٍ مضى، أن جوارها الإقليمي -من ليبيا المضطربة بميليشياتها، إلى السودان المنكوب بأكبر أزمة نزوحٍ في العالم، إلى التحدي الوجودي المتمثل في السد الإثيوبي- عبارة عن "جغرافيا نار". 

في هذا السياق، لم يعد الاتزان رفاهيةً فكريةً أو مناورةً دبلوماسيةً بارعةً، لقد بات ضرورةً وجوديةً، وسبيلاً للإجابة عن السؤال المصيري: كيف تحافظ الدولة على أمنها وتطلعاتها في عالمٍ يريد إدخالها قسرًا في خانةٍ قد تكون بداية الطريق نحو الهاوية؟

ما هو "الاتزان" إذن؟ وهل هو مرادفٌ للحياد؟

هنا يكمن لب الإبداع في الفلسفة المصرية الجديدة؛ فالاتزان الإستراتيجي، كما تقدمه الوثيقة، ليس حيادًا سلبيًّا بالمعنى السويسري التقليدي، أي الانسحاب من الصراع وتبني الصمت. 

إنه على النقيض من ذلك، موقفٌ إيجابيٌّ ديناميكيٌّ مركبٌ، يمكن تفكيكه إلى أربعة أبعادٍ مترابطةٍ تشكل معًا نسيج الرؤية المصرية.

بدايةً يرفض النهج المصري فكرة التحالف الحصري أو الأحادي. بدلاً من ذلك، يبني شبكةً متشابكةً ومعقدةً من الشراكات مع كل القوى الفاعلة؛ فالعلاقة مع واشنطن تبقى عمودًا فقريًّا في مجالاتٍ حيويةٍ، بينما تظل موسكو شريكًا إستراتيجيًا في ملفات التسليح والطاقة، وتصبح بكين الشريك التجاري الأول والممول الأكبر للمشروعات القومية. 

هذا التنويع المتعمد في العلاقات هو إنشاءٌ لـ "شبكة أمان" من المصالح المتبادلة، يهدف إلى منح مصر هامش مناورةٍ لا تملكه الدول المرتهنة لتحالفٍ واحدٍ، فيصبح بوسعها أن تقول: إذا ضغطت واشنطن، فهناك موسكو وبكين، وإذا ترددت موسكو، فهناك بدائل أخرى.

في إقليمٍ يعج بالصراعات، تختار مصر مسارًا ثالثًا بين الانحياز والحياد السلبي: أن تكون منصةً للحوار وجسرًا للتواصل الفاعل. 

هذا الدور ليس جديدًا على القاهرة، لكنه يكتسب شرعيةً وعمقًا جديدين في إطار فلسفة الاتزان. فهي الوسيط الرئيسي في غزة، وراعية مسار المصالحة في ليبيا، وفاعلٌ رئيسيٌ في جهود منع الانهيار التام في السودان. 

هذه الوساطة لا تنبع من عواطف مجردةٍ، بل من حسابٍ مصلحيٍّ دقيقٍ وباردٍ: استمرار اندلاع الحرائق على حدود مصر يهدد أمنها القومي مباشرةً، وبالتالي فإن استثمار الجهد الدبلوماسي في إطفاء هذه الحرائق هو، في الحقيقة، استثمارٌ مباشرٌ في حماية الحدود واستقرار الداخل.

يخصص الكتاب الأبيض مساحةً كبيرةً لما يمكن تسميته "دبلوماسية المصالح الاقتصادية". في عالمٍ لم تعد فيه السياسة حكرًا على السفراء والوزراء، بل تدور أهم مفاوضاته حول التجارة والاستثمار وأمن الغذاء والطاقة، تخلق فلسفة الاتزان البيئة المثالية لجذب رأس المال. 

فالمستثمر العالمي، أيًّا كان مصدره، يبحث قبل كل شيءٍ عن الاستقرار والتنبؤية. ومصر التي ترفض الانحياز إلى معسكرٍ واحدٍ هي أقل عرضةً للحصار والعقوبات الأحادية الجانب، وأكثر قدرةً على التعامل مع كل الأسواق. 

إنها تتفاوض مع الاتحاد الأوروبي، وتنضم إلى مؤسساتٍ اقتصاديةٍ جديدةٍ، وتجذب الاستثمارات الخليجية، وتتعاون مع الشركات الغربية في مجالات التكنولوجيا المتقدمة. 

هذا التنوع في الشركاء الاقتصاديين هو، في المحصلة النهائية، الضامن العملي للاستقلال السياسي.

كما يؤكد الكتاب التزام مصر بمجموعةٍ من المبادئ الثابتة التي تشكل البعد الأخلاقي والقانوني لفلسفتها: احترام سيادة الدول، عدم التدخل في الشئون الداخلية، حل النزاعات سلميًّا، والوفاء بالالتزامات الدولية. في عالمٍ يحاول فيه الكبار باستمرار فرض وصايتهم على الصغار، يصبح التمسك بهذه المبادئ شكلاً راقيًا من أشكال المقاومة والحفاظ على الكرامة الوطنية. 

الاتزان هنا يمنح مصر الغطاء والحجة للاعتراض على انتهاكات القانون الدولي أينما حدثت، دون أن تتهم بانحيازٍ مسبقٍ لخصم الخصم، ويمكنها من رفض الشروط المجحفة للمساعدات أو القروض. إنه أداةٌ لتحويل مبدأ السيادة من نظريةٍ دستوريةٍ إلى ممارسةٍ يوميةٍ على أرض الواقع.

خلاصة: بيان للنضج

إن صدور هذا الكتاب الأبيض حدثٌ يستحق التسجيل؛ لأنه أكثر من مجرد تقريرٍ حكوميٍّ. هو، في آنٍ معاً:
إعلان نضج: إشارة إلى انتقال مصر من ثقافة رد الفعل إلى فضاء التخطيط الإستراتيجي طويل المدى.
أداة اتصالٍ إستراتيجي: رسالةٌ موجهةٌ على ثلاثة مستوياتٍ: للداخل لتعزيز الثقة والتماسك، وللإقليم لتأكيد دور مصر الثابت كقاطرةٍ للاستقرار، وللعالم لشرح قواعد اللعبة الجديدة التي تختار مصر لعبها.
إسهامٌ فكري: في زمنٍ تتصارع فيه نظريات الصدام والاستقطاب، تقدم مصر نموذجًا مختلفًا للتعامل مع عالمٍ متعدد الأقطاب، نموذجًا يمكن أن يكون إلهامًا لدول الجنوب التي تسعى للحفاظ على استقلال قرارها.

الاتزان الإستراتيجي، في النهاية، هو خريطة طريقٍ لعبور القرن الحادي والعشرين. وهو خيارٌ صعبٌ يتطلب قيادةً حكيمةً، ودبلوماسيةً واثقةً محترفةً، وشعبًا واعيًّا بمصالحه العليا. لكنه، في ظل البدائل المتاحة من انكسارٍ أو تبعيةٍ، قد يكون الخيار الأمثل والأكثر واقعيةً لمصر، لتبقى كما أرادها التاريخ: قوةً رئيسيةً ترتقي وسط العواصف، لا ضحيةً تنجرف مع رياحها.


 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة