في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، لا تقف اللغة العربية أمام المرآة لتتأمل جمالها، بل تقف أمام الزمن لتسأله: إلى أين نمضي معًا؟ فاللغة، كالكائن الحي، إما أن تتنفس أو تختنق.
وفي عام 2025، يأتي اليوم العالمي للغة العربية تحت شعار: «مسارات مبتكرة للغة العربية: سياسات وممارسات من أجل مستقبل لغوي أكثر شمولًا». وهنا لا يكون الاحتفال زينةً لغويةً، بل امتحان وجودي: كيف تعيش العربية في زمن الخوارزميات؟ وكيف تحافظ على روحها وهي تدخل العالم الرقمي؟ وهل يمكن للغة عمرها آلاف السنين أن تتجدد دون أن تفقد ذاكرتها؟
في باريس، وتحت رئاسة المصري خالد عناني، تفتح اليونسكو أبواب الحوار حول هذه الأسئلة. التعليم، التكنولوجيا، الإعلام، والسياسات العامة… كلها تجلس إلى مائدة واحدة، تبحث عن طريقة عادلة لإتاحة العربية، خصوصًا للمجتمعات متعددة اللغات ومحدودة الموارد.
ويأتي الدعم من مؤسسة سلطان بن عبدالعزيز آل سعود الخيرية، ليؤكد أن اللغة ليست شأنًا ثقافيًا فقط، بل مشروع تمكين ومعرفة ومكانة عالمية.
العربية -خلافًا لما يُقال- ليست لغةً صعبةً ولا لغةً على الهامش. أكثر من 400 مليون إنسان ينطقون بها يوميًا، لكن السؤال الأهم: هل ينطقون بها أم تفكر هي عنهم؟ لقد عبرت العربية الجغرافيا والتاريخ، من المشرق إلى المغرب، ومن المتوسط إلى عمق إفريقيا، وكانت لقرون لغة السياسة والعلم والأدب. حملت الفلسفة من أثينا، والطب من روما، وسلّمتها إلى أوروبا عصر النهضة.. وكانت جواز سفر للحوار الثقافي على طرق الحرير، برًا وبحرًا.
وحين نتأمل أثرها في اللغات الأخرى، نبتسم بدهشة الأرقام. في الإسبانية، ما بين ألفين وأربعة آلاف كلمة من أصل عربي. هل هذا استعمار لغوي؟ أم حب قديم؟ وفي التركية، تشير التقديرات إلى ستة آلاف كلمة، بينما تقف الدراسات الحديثة بدقة مذهلة عند 4687 كلمة… كأن اللغة تُعدُّ أنفاسها كي لا تخطئ! أما الإنجليزية، تلك اللغة الواثقة، ففيها ما بين 500 و2000 كلمة عربية الأصل، ويقول قاموس أكسفورد -بحذر الإنجليز- نحو 900 كلمة.
وهنا يطل السؤال: إذا كانت اللغات الكبرى قد استضافت العربية في بيوتها، فلماذا نخجل نحن من إسكانها في حياتنا اليومية؟ من هنا، يبرز دور المؤسسات العربية المعاصرة. مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة أعادت وصل العربية بسياق المعرفة العالمي، لتدخل المختبر، والبحث العلمي، وسوق الأفكار. ومبادرة «بالعربي» جاءت لتسأل سؤالًا بسيطًا ومربكًا: لماذا لا نعيش بالعربية كما نتحدث بها؟ فحوّلت اللغة من خطاب نخبة إلى لغة مجتمع، ومن موقف دفاعي إلى فعل يومي. ويظل الأزهر الشريف، بما يحمله من تاريخ، شاهدًا على أن اللغة حين تتكئ على العلم لا تشيخ.
ولم يكن اختيار 18 ديسمبر صدفةً؛ فهو اليوم الذي اعتمدت فيه الأمم المتحدة العربية لغةً رسميةً عام 1973. يوم انتقلت فيه العربية من ذاكرة الحضارة إلى مسئولية العالم. والحقيقة البسيطة -والمؤلمة- أن العربية لا تُهدَّد بالفقر اللغوي، بل بفقر الاستخدام. فاللغة لا تموت إذا قلَّت مفرداتها، بل إذا غابت عن الأسئلة. وهنا يكتمل المعنى: العربية لا تريد منّا أن نبكي عليها.. بل أن نفكر بها، ونحلم بها، ونكتب بها المستقبل.