إنَّ اللهَ تعالى لا ينظرُ إلى صُوَرِكُمْ وأمْوالِكُمْ، ولكنْ يَنظُرُ إلى قلوبِكم.. هكذا علمنا المعلم الأول، صلى الله عليه وسلم. فنظرةُ الخالق للمخلوق هي نظرة في الأساس وجهتُها التَّقْوى واليقين، والصدق والإخلاص. ودائمًا الأعمال بأصدقها وإن قلت، ونية المرء خيرٌ من عمله.
ليس في ذلك دعوة للتكاسل وطي صفحة الاجتهاد، إنما القصد ألا تُنسينا أعمال الجوارح أهمية وخطورة أعمال القلوب. لم يكن أبوبكر الصديق، رضي الله عنه وأرضاه، فقيرًا كأبي ذر، أو أبي هريرة، لكنَّه كانَ أفضلَ منهم!! لم يُعذبْ كثيرًا كخباب، أو بلال، أو سمية، أو ياسر، لكنَّه كانَ أفضلَ منهم!! لم يُصَبْ جسدُه في الغزواتِ كطلحة، أو أبي عبيدة، أو خالد بن الوليد، لكنَّه كانَ أفضلَ منهم!! لم يُقتل شهيدًا في سبيلِ الله، كعمر بن الخطاب، أو حمزة بن عبدالمطلب، أو مصعب بن عمير، أو سعد بن معاذ، لكنَّه كانَ أفضلَ منهم!!
فما السرُّ العجيبُ الذي صنعَ له هذه العظمةَ، ومكنه من هذا التفرد؟ العظمة والتفرد اللذان تتراجع أمامهما عظائم الهمم! ما سبقهم أبوبكر بكثرةِ صلاةٍ ولا صيامٍ، ولكن بشيءٍ وقرَ في قلبه!! إنَّها أعمالُ القلوب!! تلك التي بلغتْ بأبي بكر (رضي الله عنه) أعلى المراتب وأعظم الدرجات، حتى إنه ذُكرَ في كتاب ربنا في مواضع عدة من باب الثناء والفخر والتقدير. هي أعمالُ القلوب التي جعلتْ إيمانه لو وُزن بإيمان أهل الأرض لرجحَ.
إنَّ الإيمانَ قولٌ باللسان، وتصديقٌ بالقلب، وعملٌ بالجوارح. هذه صور الأعمال، أما لبُّها وجوهرها وحقيقتها فهو عمل القلب. فلكلِّ عبادةٍ حقيقةٌ وصورةٌ، فصورةُ الصلاة الركوعُ والسجودُ وبقية الأركان، وحقيقتها الخشوع والنهي عن المنكر. وصورةُ الصيام الكفُّ عن المفطرات من الفجر إلى الغروب، وحقيقته التقوى. وصورةُ الحج السعيُ والطواف والوقوف بعرفة ورمي الجمرات، وحقيقته تعظيمُ شعائر الله.
وصورةُ الدعاء رفعُ اليدين واستقبالُ القبلة والطلبُ والمناجاةُ، وحقيقته الانكسار والافتقارُ إلى الله، سبحانه وتعالى. وصورةُ الذِّكر التسبيحُ والتهليلُ والتكبيرُ والحمدُ، وحقيقته الإجلال والخوف والرجاء.
النار فتحت أبوابها لامرأة حبست هرة، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها، والجنة أيضًا فتحت أبوابها لرجل سقى كلبًا كاد يهلك من العطش. عملان بسيطان أحدهما منح صاحبه الجنة والآخر ألقاه في النار! فالقصة إذن إخلاص ونية وتوجهات قلوب!
لقد تابت توبةً لو قُسِّمَتْ بين سبعين من أهلِ المدينةِ لوسعَتْهم.. هكذا قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في المرأة التائبة بعد إقامة الحد عليها، وقد ظن بها بعض الأصحاب سوءًا فلامهم على ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وصلى عليها ودعا لها. وأعمال القلوب أعلاها منزلةً الحُبُّ في اللهِ قبل حُب الجنة وكراهية النار.
الحُبُّ في اللهِ موضعُ ثناءِ المولى، جلتْ قدرتُه، وتقديرِه: "وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ". الحُبُّ في اللهِ سعادةٌ في القلبِ يستشعرُ معها الإنسانُ أجملَ مذاقٍ، قالَ المعلمُ الأولُ (صلى الله عليه وسلم): "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإيمان: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُما، وَأنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلَّا لله، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ في الكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ".
الحُبُّ في اللهِ هو المظلةُ والحمايةُ، يقولُ اللهُ تعالى يَوْمَ الْقِيَامَةِ: "أَيْنَ المُتَحَابُّونَ بِجَلالي؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ في ظِلِّي يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلِّي".. وجاءَ من السبعةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: "وَرَجُلانِ تَحَابَّا في الله اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ".. يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ.. وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ.. إلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.. مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ.. كلُّها معانٍ ترسخ للمعنى الأسمى، وهو أن العبادة الصادقة هي عبادة القلوب، فإذا كانتْ نجاحات الدنيا تُقطعُ بالأقدام، فإن نجاحات الآخرة تُقطع بالقلوب.