في خضم أحداث كثيرة متلاحقة شهدت مصر حدثًا يستحق التوقف أمامه كثيرًا وتقديم التقدير اللائق لمن كانوا وراءه.
يوم 10 ديسمبر الحالي أعلنت وكالة الفضاء المصرية نجاح إطلاق القمر الصناعي المصري SPNEX ودخوله مداره المخصص، وبدء إرسال إشاراته الأولى.
ربما يظن البعض أن مصر سبق لها مرات عديدة إطلاق أقمار صناعية، ومن ثم فلا جديد يستحق الانتباه له.. حقيقة الأمر أن ما حدث الأسبوع الماضي ليس أمرًا اعتياديًا لأن هذا القمر الذي تم إطلاقه ليس حدثًا تقنيا عابرًا، أو أن الاختلاف بينه وبين غيره يقتصر على وزنه، أو مداره فالفارق بين هذا القمر، وما سبقه من أقمار مصرية لا يكمن في المدار، أو الوزن، أو حتى الوظيفة، بل في الفلسفة التي أنتجته.
الأقمار السابقة كانت في معظمها ثمار شراكات خارجية، تعتمد على التصنيع الأجنبي مع دور مصري ينحصر في التشغيل بينما القمر الأخير يمثل نقطة تحول حقيقية؛ لأنه جري تصميمه كليًا، وتجميعه، واختباره بواسطة الكوادر المصرية المتخصصة داخل وكالة الفضاء المصرية، بما في ذلك البرمجيات؛ وأنظمة التحكم الأرضية.
الطفرة التي حدثت تعود بصفة أساسية من وجهة نظري إلى تأسيس وكالة الفضاء المصرية عام ٢٠١٨برؤية هادفة إلى بناء منظومة معرفية، وبنية تحتية، وكوادر بشرية قادرة على تصميم الأقمار بما يترجم امتلاك المعرفة، وبناء الخبرة التراكمية، وليس شراء قمر يهيم في الفضاء .نعم الأقمار السابقة عززت مكانة مصر كمستخدم للتكنولوجيا الفضائية لكنها لم تضعها في نادي الدول المنتِجة لها.
نعم القمر الجديد قد لا يكون الأهم من حيث الحجم، أو العائد المباشر، لكنه يضع الأساس الحقيقي لبرنامج فضائي مصري مستقل . وجود برنامج فضائي مصري حلم في المتناول . فقط نحتاج لدعم وكالة الفضاء المصرية لتؤدي الدور المأمول منها. نحتاج إيمان الدولة بأن الوكالة مشروع قومي مستدام، لا يتأثر بتغير الحكومات، أو الأولويات، وكذلك وضع إستراتيجية وطنية طموح تربط الفضاء بالأمن القومي، والتنمية الاقتصادية. استمرار الوكالة ونجاحها يعتمد علي الادارة المرونة في التعاقد مع الخبرات، ومنح الحوافز لاجتذاب العلماء، والباحثين من خلال تمويل مستقر ممتد لسنوات لاستخدامه في بناء الكوادر الفنية، والمعامل المتطورة.
ربط الوكالة بالجامعات، ومراكز البحوث أمر حتمي؛ حيث لا يمكن لوكالة فضاء أن تعمل بمعزل عن الجامعات، أو دون شراكة حقيقية مع القطاع الخاص، وتشجيع الشركات المصرية على دخول سلاسل التوريد الفضائية (إلكترونيات، برمجيات) . وكالة الفضاء المصرية هي استثمار إستراتيجي في المستقبل يعتمد علي رؤية طويلة، وتمويل ذكي، وبحوث تطبيقية، وشراكة وطنية واسعة، وإذا تحقق ذلك لن يكون السؤال بعد سنوات: كم قمرًا أطلقت مصر؟ بل كيف غير الفضاء شكل التنمية على أرض المحروسة؟