ورَجلٌ دَعتْهُ امرَأةٌ ذَاتُ مَنصبٍ وجَمالٍ

17-12-2025 | 14:09

لا يزالُ حديثُنا موصولًا عن حديثِ النبيِ "صلى الله عليه وسلم"، الذي رواهُ أبو هريرةَ رضي الله عنه: "سبعةٌ يظلهمُ اللهُ في ظلّهِ يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه"، تحدثْنا عن الإمامِ العادلِ، ثم بعدَ ذلكَ تناولْنا الحديثَ عن رجلٍ قلبُه مُعلَّقٌ بالمساجدِ.

ونتحدثُ في هذا المقالِ عن رجلٍ دعتْهُ امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمالٍ فقال: إني أخافُ الله ربَّ العالمينَ.

الحديثُ صحيحٌ ومتفقٌ عليهِ. ولنبدأ بلفظةِ رجلٍ، نعم بلاغةُ النبيِ "صلى الله عليه وسلم" واضحةُ الدلالةِ، فلم يقلْ ذكرًا، فليسَ كلُّ ذكرٍ رجلًا، وإنما الرجلُ هو الذي يستطيعُ أن يُقيمَ ما يوضَعُ فيهِ من المواقفِ، متى يتحدثُ ومتى يمتنعُ عن الكلامِ. والرجولةُ لفظةٌ مطلقةٌ تشملُ الصبيةَ والشبابَ والشيوخَ على حدٍّ سواءٍ.

فإنهُ في ظلِّ المغرياتِ الماديةِ، وفي ظلِّ الانفتاحِ على الآخرِ بهذهِ الصورةِ الفجَّةِ عبرَ وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِ، وفي ظلِّ كثرةِ اللغطِ والمناكيرِ والسفورِ والفجورِ والاختلاطِ الصارخِ، وفي ظلِّ ثورةِ موضةِ الملابسِ الكاسيةِ العاريةِ، وفي ظلِّ طلباتِ الصداقةِ المجهلةِ بأسماءِ سيداتٍ لا يُردنَ الكشفَ عن هويتهنَّ.

وفي ظلِّ تواجدِ المواقعِ الإباحيةِ بهذهِ الصورةِ اللافتةِ للنظرِ، وفي ظلِّ الشذوذِ والمثليةِ، والعبثِ الذي نشاهدُهُ من بعضِ المتطاولينَ على عقائدِنا وعلى عاداتِنا وتقاليدِنا وقيمِنا وأخلاقِنا، ودعواتِ بعضِ الشاذاتِ إلى ما أطلقوا عليهِ المساكنةَ، وغيرِها من المسمياتِ التي ما أنزلَ اللهُ بها من سلطانٍ، بل هي من همزاتٍ ولمزاتِ الشياطينِ، بدعوى الحرياتِ، والحريةُ من هؤلاءِ وأمثالهنَّ براءٌ براءةَ الذئبِ من دمِ ابنِ يعقوبَ.

تجدُ وسطَ كلِّ هؤلاءِ وهؤلاءِ رجالًا لا يزالونَ مرابطينَ على الحقِّ، محافظينَ على دينهم، قائمينَ على حدودِ اللهِ تعالى، مستمسكينَ بالذي أوحيَ إلى النبيِ "صلى الله عليه وسلم" وبلَّغهم إياهُ قائلًا: يقولُ لكمُ اللهُ تعالى: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشةً وساءَ سبيلًا)، وقائلًا جلَّ وعلا: (والذين لا يزنونَ)، صفةٌ من صفاتِ عبادِ اللهِ المؤمنينَ.

لأنهم يعلمونَ جريمةَ هذهِ الكبيرةِ وما يترتبُ عليها من تعاسةٍ وحسرةٍ وندامةٍ في الدنيا، أما في الآخرةِ فعقوبتُها عندَ اللهِ عظيمةٌ؛ لأنَّ أصحابَها تركوا ما أحلَّ اللهُ لهم، واتجهوا إلى ما حرَّمَهُ اللهُ تعالى.

رجلٌ صالحٌ أخلصَ دينَهُ للهِ تعالى فعصمَهُ اللهُ سبحانهُ وتعالى من الوقوعِ في هذهِ الرذيلةِ البشعةِ، رجلٌ قد يكونُ فقيرًا لا يجدُ حتى ما يسدُّ بهِ جوعَهُ وجوعَ أولادِهِ، ويعملُ في عملٍ ما أيًّا كانتْ طبيعةُ هذا العملِ، وليكنْ مرؤوسًا لسيدةِ أعمالٍ، وتبلغُ من الجمالِ مبلغَهُ، ولديها أموالٌ طائلةٌ، ولها صيتٌ ونفوذٌ وتستطيعُ أن ترفعَهُ مكانًا عليًّا، وتجعلَهُ سيدًا في مكانِهِ، وتعطيَهُ ما لم يكنْ يحلمُ بهِ من عزٍّ وجاهٍ وثروةٍ.

وهو يعلمُ علمَ اليقينِ أنه لو رفضَ دعوتَها لهُ ستُنكِّلُ بهِ وستطردُهُ من عملِهِ، ومن الممكنِ أن تتجنى عليهِ بأيِّ تهمةٍ ما وتدخلَهُ السجنَ، لكنهُ على الرغمِ من كلِّ ذلكَ رفض طلبها، وثبَّتَهُ اللهَ تعالى على الجادَّةِ وطريقِ الحقِّ، طالبًا رضا اللهِ تعالى، منتصرًا لحدودِ اللهِ، ضاربًا بكلِّ مغرياتِ الحياةِ الدنيا عرضَ الحائطِ، مطلقًا الدنيا بما فيها على مَن فيها، فقالَ لها: إني أخافُ الله ربَّ العالمينَ.

علمَ أنَّ اللهَ معه، يراه، شاهدٌ عليهِ، فقالَ: معاذَ اللهِ.

ألم يقلْ سيدنا يوسفُ الذي أعطاهُ اللهُ نصفَ الجمالِ، ألم يقلْ: معاذَ اللهِ عندما دعتْهُ امرأةُ العزيزِ إلى ممارسةِ هذهِ الرذيلةِ، لما وقرَ حبُّهُ في قلبِها وغزا جمالُه الحسيُّ والروحيُّ روحَها، فتاقتْ نفسُها إليهِ وعشقتْهُ، وغلَّقتِ الأبوابَ وتهيَّأتْ لهُ، ماذا قال؟ قال: معاذَ اللهِ.

نعم إنها العصمةُ التي وهبَها اللهُ للأنبياءِ. فما بالُنا بمن ليسَ نبيًّا، وعصمَهُ اللهُ تعالى من الوقوعِ في شراكِ هذهِ الجريمةِ، وكبحَ جماحَ نفسِهِ الأمَّارةِ بالسوءِ. عصمَهُ اللهُ تعالى من خلالِ خشيتهِ للهِ وخوفِهِ من معصيتِهِ، فكانَ حقًّا على الجليلِ أن يتولاهُ ويعصمَهُ من الوقوعِ في هذهِ المهلكةِ.

إنَّ واقعَنا الذي نحياهُ الآنَ يعجُّ بمثلِ هذهِ الأمورِ التي نحسبُها هينةً وهي عندَ اللهِ شأنُها عظيمٌ. فليحذرِ الجميعُ: صبيانٌ بلغوا الحُلُمَ، شبابٌ لم يتزوجوا، شيوخًا كبارًا، أن يقعوا في هذهِ الموبقةِ ولا أن يقتربوا ناحيةَ مقدماتِها. يقولُ النبيُ صلى الله عليه وسلم: "كتب على ابن آدم حظُّه من الزنا أدرك ذلك لا محالةَ: فالعينان تزنيان وزناهُما النظرُ، والأذنُ تزني وزناها السمعُ، واللسانُ يزني وزناه المنطقُ، واليدُ تزني وزناها البطشُ، والرجلُ تزني وزناها المشيُ، والقلبُ يتمنى ويشتهي، والفرجُ يصدّقُ ذلك أو يكذبُه".

ويحذركمُ اللهُ نفسَهُ واللهُ رؤوفٌ بالعبادِ. وتلكَ حدودُ اللهِ فلا تعتدوها. وتلكَ حدودُ اللهِ فلا تقربوها.

أستاذُ الفلسفةِ بآدابِ حلوانَ

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة