لا تزال وثيقة "إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية 2025" تثيرُ الكثيرَ من التحليلات، وخاصةً فيما يتعلقُ بالشرقِ الأوسطِ. ومن بين الذين توقفوا طويلًا أمامَ الوثيقةِ وزيرُ الخارجيةِ الأسبقُ نبيلُ فهمي.
وفي مقالةٍ بعنوانِ "قراءةٌ في إستراتيجيةِ ترامب للأمنِ القوميِ الأمريكي"، يعتقدُ أن دونالد ترامب يريدُ أن يُخضعَ الشرقَ الأوسطَ لمصالحِ واشنطن من دونِ التورطِ في حروبٍ أبديةٍ، والخلاصةُ شرقُ أوسطَ أكثرُ برودةً، وأوضحُ، وأكثرُ أمريكيةً.
وأن النتيجةَ، من وجهةِ نظرِ فهمي، ستكونُ على الأرجحِ نظامًا إقليميًا أكثرَ برودةً وأكثرَ قسوةً، لكنه أكثر وضوحًا، ولا تعدُّ الإستراتيجيةُ بشرقِ أوسطَ ألطفَ أو أرحمَ، بل إنها تَعِدُ بشيءٍ أثمنَ بكثيرٍ من وجهةِ نظرِ واشنطن، أنها تُبشرُ بمنطقةٍ تُؤمَّنُ فيها المصالحُ الأمريكيةُ الأساسيةُ مع منعِ هيمنةِ قوةٍ معاديةٍ على نقاطِ اختناقِ الطاقةِ، وذلك بقدرٍ ضئيلٍ من الدماءِ، والطاقةِ الدبلوماسيةِ، مقارنةً بأيِ وقتٍ منذ 1979.
وتفعلُ ذلك بإلقاءِ كلِ الأعباءِ العسكريةِ والحكوميةِ تقريبًا على عاتقِ الحلفاءِ الإقليميين، "إسرائيل وبعضِ الدولِ العربيةِ"، وذلك باستخدامِ نفوذٍ اقتصاديٍّ ساحقٍ، "عقوبات + صادراتُ طاقة"، وبقبولِ قدرٍ أعلى من العنفِ الإقليميِ كثمنِ الابتعادِ عن "الحروبِ الأبديةِ"، والنتيجةُ ستكونُ على الأرجحِ نظامًا إقليميًا أكثرَ برودةً وأكثرَ قسوةً لكنه أكثرُ وضوحًا.
ويرى نبيلُ فهمي أنه للمرةِ الأولى منذُ عقودٍ تُعامِلُ الولاياتُ المتحدةُ الشرقَ الأوسطَ، كما قالتِ النظريةُ الواقعيةُ دائمًا، ومثلما يجبُ أن تفعلَ القوى العظمى، تتعاملُ معها على أنها منطقةٌ مهمةٌ لكن ليست وجوديةً، ولا يهمُّ استقرارُها، إلا بقدرِ ما يؤثرُ في المصالحِ الأمريكيةِ الأساسيةِ، سواءٌ أسفرَ ذلك عن خلقِ منطقةٍ أكثر سلامًا بشكلٍ عامٍّ من عدمهِ، طالما ظلت أكثرَ اتساقًا وملاءمةً للأولوياتِ الأمريكيةِ. باختصارٍ أمريكا أولًا، وهي ترفضُ صراحةً رؤيةَ ما بعدَ 1991 التي كانت ترى الولاياتِ المتحدةَ الضامنَ الذي لا غنى عنه لنظامٍ عالميٍ ليبراليٍ، وتقدِّمُ واقعيةً قوميةً منضبطةً تُخضِعُ كلَّ التزامٍ خارجيٍّ لاختبارٍ واحدٍ هو: هل يخدمُ مباشرةً المصالحَ الحيويةَ الأساسيةَ للأمةِ الأمريكيةِ، أمنَها، ازدهارَها، حدودَها، ونمطَ حياتِها؟
ووفقًا لنبيلِ فهمي فإن من المفارقاتِ أن أكبرَ خطرٍ يمكنُ أن يتهددَ الشرقَ الأوسطَ، ويؤديَ لحربٍ إقليميةٍ كبرى، هو إغلاقُ إيرانَ مضيقَ هرمزَ، مع هجماتٍ جماعيةٍ على بنيةِ الطاقةِ الخليجيةِ، أو صراعٌ مباشرٌ بينَ إيرانَ وإسرائيلَ، قد يبلغُ ذروتَهُ في 2026 - 2028 بالضبطِ. ومن وجهةِ نظرهِ لأن طهرانَ ستكونُ محاصرةً، ويائسةً وتواجهُ انهيارًا وجوديًا، لكن إذا نجتِ الولاياتُ المتحدةُ وحلفاؤها من تلكَ العاصفةِ، فالنتيجةُ طويلةُ الأجلِ هي شرقُ أوسطَ لا تستطيعُ فيهِ أيةُ قوةٍ معاديةٍ تهديدَ الممراتِ البحريةِ الحيويةِ، أو إمداداتِ الطاقةِ، وتكونُ فيهِ الالتزاماتُ الأمريكيةُ ضئيلةً جدًا.
ولعلَّ أهمَّ ما ميزَ هذهِ الإستراتيجيةَ الجديدةَ هو تأكيدُها أن حقبةَ عدِّ منطقةِ الشرقِ الأوسطِ "مركزَ الثقلِ الأمريكي" قد "انتهت"، وأن واشنطن ستقلصُ اهتمامَها بها بحجةِ تراجعِ المخاطرِ، رغمَ أن المنطقةَ لا تزالُ ساحةَ نزاعاتٍ معقدةٍ. وفقًا لصحيفةِ "ذا هيل" في 5 ديسمبر 2025.
وتشيرُ الوثيقةُ إلى أن الشرقَ الأوسطَ "لم يعدْ يسيطرُ على السياسةِ الخارجيةِ الأمريكيةِ في التخطيطِ طويلِ الأمدِ أو التنفيذِ اليوميِ"؛ لأنه لم يعدْ مصدرًا للأزماتِ المتكررةِ. ووصفتِ المنطقةَ بأنها باتتْ "منطقةَ استقرارٍ وشراكةٍ" وليسَ "ساحةَ صراعٍ واضطرابٍ عالميٍ"، مستندةً إلى عواملَ مثلِ إضعافِ إيرانَ، ووقفِ إطلاقِ النارِ في غزةَ، وتراجعِ داعمي حماسَ، وفرصِ استقرارِ سوريا عبرَ التعاونِ الإقليميِ.
وتذهبُ الوثيقةُ إلى أن واشنطن لن تعودَ إلى الانخراطِ العسكريِ المباشرِ في المنطقةِ، وأن الإدارةَ ستعتمدُ على "تقاسمِ الأعباءِ" معَ الحلفاءِ، معَ التركيزِ على حمايةِ الملاحةِ والطاقةِ ومنعِ الإرهابِ.
ومعَ ذلكَ، يشككُ خبراءُ ومحللونَ أجانبُ في إمكانيةِ تنفيذِ هذهِ الإستراتيجيةِ فعليًا، لا سيما في ظلِ استمرارِ الدعمِ الأمريكيِ لإسرائيلَ وخططِها في غزةَ وسوريا ولبنانَ.
ويقولُ الخبراءُ إن ترامبَ، مثلَ أربعةِ رؤساءَ سابقينَ، وعدَ أكثرَ من مرةٍ بتقليلِ التورطِ في الشرقِ الأوسطِ، لكنَّ السياساتِ اتسمتْ بالاستمراريةِ لا بالتغييرِ.
غيرَ أن عدمَ الثقةِ في تطبيقِ هذهِ الإستراتيجيةِ ينبعُ ليسَ فقط من تورطِ أمريكا العميقِ في الشرقِ الأوسطِ، بل لأنَّ بنودَها تتعارضُ معَ الممارساتِ الفعليةِ لإدارةِ ترامبَ. فالإدارةُ تدعي أن سياستَها "لا تستندُ إلى أيديولوجياتٍ سياسيةٍ تقليديةٍ"، بينما الواقعُ يُظهرُ العكسَ.
وفي الوقتِ نفسهِ تقومُ "الإستراتيجيةُ الكبرى" للولاياتِ المتحدةِ في السياسةِ الدوليةِ على الحفاظِ على الهيمنةِ، واستمراريتِها من خلالِ منعِ ظهورِ قوى إقليميةٍ مهيمنةٍ، والنموذجُ المفضلُ لدى الولاياتِ المتحدةِ في الشرقِ الأوسطِ يقومُ على هيكلٍ متوازنٍ للقوةِ بينَ تركيا والسعوديةِ وإسرائيلَ.
ويرى الخبراءُ رغمَ ذلكَ أن النموذجَ المفضلَ لدى الولاياتِ المتحدةِ في المنطقةِ، يقومُ على هيكلٍ متوازنٍ للقوةِ بينَ تركيا والسعوديةِ وإسرائيلَ.
وأنه في هذا المثلثِ، تؤدي إسرائيلُ دورَ القاعدةِ؛ إذ تتمتعُ بتفوقٍ أمنيٍّ وعسكريٍّ على السعوديةِ وتركيا، لكنَّ هذا التفوقَ يجبُ ألا يتحولَ إلى هيمنةٍ.
ومن ناحيةٍ أخرى تعتمدُ الإستراتيجيةُ الأمريكيةُ دومًا على مفهومِ "التوازنِ الدائمِ" بشكلٍ مباشرٍ، أو غيرِ مباشرٍ عبرَ الحلفاءِ، وأن القوةَ الأمريكيةَ المهيمنةَ لا تفرقُ بينَ أيِ لاعبٍ، إذ تعملُ على كبحِ جماحِ أيِ جهةٍ تسعى للهيمنةِ على المستوى الإقليميِ عبرَ تقويةِ منافسِها لمنعِ هيمنتِها، حتى لو كانَ هذا اللاعبُ إسرائيلَ، الحليفَ الأقربَ والمدعومَ من لوبياتٍ يهوديةٍ قويةٍ داخلَ أمريكا.
ويبقى في النهايةِ أن ترامبَ يذهبُ بعيدًا في تصورهِ بأنه لم يعدْ هناكَ تهديدٌ حقيقيٌّ في الشرقِ الأوسطِ، وإنما فقط "صراعٌ معقدٌ" ومحدودٌ بينَ إسرائيلَ والفلسطينيينَ، وينفي أن الشرقَ الأوسطَ لا يُعدُّ المزودَ "الأكثرَ أهميةً للطاقةِ" في العالمِ، وأن المنطقةَ لم تعدْ ساحةً رئيسةً للتنافسِ بينَ "القوى العظمى"، ولم تعدْ مليئةً بالصراعاتِ التي تهددُ بالانتشارِ إلى مناطقَ أخرى في العالمِ. وأحسبُ أن الإنكارَ أو التمنيَ لا يصنعُ حقيقةً، وستبقى المنطقةُ مهمةً للعالمِ، والدولةُ الفلسطينيةُ ستظلُ تُطاردُ الجميعَ.