الأنبياء والصالحون هم أهل اليقين وحسن الظن بالله، لعلنا نكون مثلهم ونهتدي بهداهم، ومنهم نبي الله إبراهيم عليه السلام؛ فلما أُلقي نبي الله إبراهيم في النار وكانت مشتعلة بشكل مخيف وهو مقيَّد بالحبال، جاءه جبريل فقال له: يا إبراهيم ألك بي حاجة؟ فقال: أما أنت فلا، إنما علمه سبحانه وتعالى بحالي يُغني عن سؤالي. من الذي جعله مطمئنًا؟ الله تعالى حوَّل النار إلى بردًا وسلامًا، حيث وجدوه قائمًا يُصلي ولم تمسه النار بقدرة من يقول للشيء كن فيكون. إنه حسن الظن بالله والتوكُّل على الله القدير. ولما بلغ نبي الله إبراهيم من العمر عتيًّا وكَبُر سنُّه لم ييئس من عطاء الله، فقال: ربّ هب لي من الصالحين. ما زال لديه أمل بأن الله يرزقه بالولد؟ نعم إنه اليقين وحسن الظن بالله، "فبشرناه بغلام حليم".
هكذا حال الإنسان المؤمن التقي النقي الذي تربطه علاقة طيبة مع الله إذا مرَّ بضائقة أو أزمة من الأزمات، مثلًا أُصيب بمرض أو تأخَّر في الإنجاب أو الزواج أو أي مشكلة في حياته، سواء مالية أو اجتماعية، هو دائمًا على يقين وحُسن ظن بالله تعالى بأنه عنده الفرج القريب، وأنه سوف يستبدل حاله (من العُسر إلى اليُسر – ومن الضيق إلى الفرج).
كليم الله موسى عليه السلام:
لما قومه خافوا أن يدركهم فرعون بجنوده، (قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ)، ولكن كليم الله موسى مملوء قلبه ثقة بالله وحسن ظن وتصديقًا بوعده (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ).
نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم:
لما تجمَّع جيوش الكفر خارج الغار يبحثون عنه ليقتلوه، ماذا فعل؟ قال أبوبكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله، لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا. لماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مطمئنًا بهذه القوة؟ نعم هو: اليقين وحسن الظن بالله، فكان الرد (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)، ولأن قلبه مملوء بالثقة بأن الله تعالى لم يخذله ولم يتركه وسيأتي الفرج القريب، فكان النصر والفتح والتمكين "وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا".
سيدنا أيوب عليه السلام:
لما فقد ماله وأولاده والعظمة والجاه والعِزوة، ثم بعد ذلك ابتلاه الله في جسده وصحته، حتى أن زوجته كانت تقول له: يا نبي الله ادعُ الله أن يرفع عنك البلاء ويشفيك يا أيوب، أنت مستجاب الدعوة. فيقول: إني أستحي من الله أن أدعوه، لقد عشنا في عزٍّ وغِنَى ونعَمٍ أعوامًا كثيرة، ألا نصبر على حكم الله تعالى؟ فكان مع الصبر اليقين وحسن الظن بالله تعالى بأنه سيأتي بالفرج ويردُّ له صحته وماله وأولاده. وفي يوم جاء أحد أصدقائه فقال له: يا نبي الله سمعت فلانًا يقول بأن أيوب ما ابتلاه الله بالمرض إلا بذنب ارتكبه. في هذه اللحظة، خاف نبي الله أيوب على نفسه من الفتنة فرفع يده إلى السماء ودعا الله تعالى: "وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ". فجاءه الرد سريعًا من الله تعالى (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ). نبي الله أيوب برغم الابتلاء في فقد المال والولد والجاه والصحة كان يثق بالله وقدرته على تغيير حاله إلى الأفضل، إنه اليقين وحسن الظن بالله.
فأي إنسان يمُر بابتلاء في الدنيا لا بد أن يكون عنده اليقين وحسن الظن بالله تعالى بأنه هو القادر على كل شيء بقدرة كن فيكون.
كيف نحقق اليقين وحسن ظن بالله؟
1- مخالفة سوء الظن: فلا تربط عدم تحقيق مطالبك بسوء الظن بالله، بل اعلم أن الله صرف عنك شرًا عظيمًا. الكثير منا يربط عدم التحاقه بوظيفة ما، أو ارتباطه بزوجة أو فتاة جميلة، أو عدم توفيقه في الدراسة أو شراء سيارة فارهة أو منزل، بأن الله غاضب عليه، فهو سوء الظن بالله. واعلم بأن اختيار الله لك هو الأفضل وفيه كل الخير والفلاح: "وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ".
2- الخوف من المستقبل يسلب الثقة ويخالف الأدلة الشرعية. لذا، عليك أن تثق بالله وتتفاءل بالخير، فالخير بيده سبحانه وتعالى.
3- التركيز على العمل الصالح: فحُسن الظن بالله مصحوب بحسن العمل بالجوارح والنية الخالصة لوجهه الكريم.
4- اليقين بالآخرة: كلما ازداد يقينك بأن ما عند الله خير وأبقى، كلما زاد اطمئنانك وسعادة قلبك.