منذ أكثر من أربعة عقود، ظل اسم منتخب تنزانيا لكرة القدم يتردد في القارة السمراء بوصفه أحد المنتخبات التي تمتلك شغفًا لا ينطفئ رغم الندرة الواضحة في الإنجازات الكبرى، فريق اعتاد أن يلعب في الظل، لكن ظله كان ممتدًا في قلوب جماهيره التي بقيت تنتظر لحظة الانفجار، لحظة تستعيد فيها البلاد مكانتها في المشهد الكروي الإفريقي، ولا يبدو أن هذا الانتظار كان عبثيًا، فقد جاءت السنوات الأخيرة لتعيد تشكيل صورة هذا المنتخب من جديد، وتفتح أبواب الأمل أمام جيل مختلف يرى في كرة القدم وسيلة لكسر الجمود التاريخي.
موضوعات مقترحة
بداية الحكاية تعود إلى فترة ما بعد الاستقلال، حين كان الفريق يلعب تحت اسم تنجانيقا قبل أن يتحد لاحقًا مع زنجبار ليحمل اسم تنزانيا، ومع أن زنجبار احتفظت بخصوصية كروية ما زالت قائمة، إلا أن المنتخب الموحد ظل هو الممثل الشرعي للبلاد في البطولات الدولية، لكن الطريق لم يكن ممهدًا، فبعد مشاركته الأولى في كأس الأمم الأفريقية عام 1980، دخل المنتخب التنزاني في دوامة طويلة من الإخفاقات، وابتعد عن الأضواء لسنوات كانت كفيلة بإعادة صياغة هوية الكرة التنزانية بالكامل.
ورغم هذا الغياب، لم يتوقف المجتمع الكروي في البلاد عن البحث عن أمل جديد، ففي كل تصفيات، كان منتخب تنزانيا يدخل بمزيج من الحماس والقلق، وكأن اللاعبين يحملون عبء التاريخ أكثر مما يحملون ثقل المنافس، لكن مع مرور الوقت، بدأت ملامح التحول تظهر، خصوصًا في عام 2008، عندما قدم الفريق واحدة من أفضل مشاركاته في التصفيات، ثم توّج مسيرته بلقب بطولة سيكافا عام 2010، وهو اللقب الذي أعاد الثقة إلى الشارع الرياضي وقدّم جيلاً جديدًا من اللاعبين.
ثم جاءت لحظة فارقة في مارس من عام 2019، حين حققت تنزانيا فوزًا كبيرًا على أوغندا بثلاثية نظيفة، لتسجل مشاركتها الثانية في كأس الأمم الأفريقية بعد غياب 40 عاما، كان الإنجاز وقتها أشبه باستفاقة طويلة، أعادت للبلاد شغفها القديم وأعادت للجماهير إيمانها بقدرة المنتخب على العودة، ورغم أن مشاركة الفريق في البطولة لم تكن مثالية، إلا أنها حملت رسالة واضحة مفادها أن تنزانيا لم تعد ذلك المنتخب الذي يتلقى الخسائر دون مقاومة.
يسعى منتخب تنزانيا لكرة القدم، المعروف باسم "تيفا ستارز"، دائمًا لتحقيق حضور مميز في البطولات الأفريقية رغم تاريخ طويل من النتائج المخيبة، وكان التأهل لنسخة كأس أمم أفريقيا 2023 التي أُقيمت في كوت ديفوار في يناير 2024 مثالًا جديدًا على إصرار الفريق، فقد وقع الفريق في المجموعة السادسة ضمن التصفيات التي ضمت الجزائر وأوغندا والنيجر، وواجه خلالها تحديًا كبيرًا نظراً لقوة المنافسين، لكنه استطاع أن يحصد المركز الثاني ويضمن تأهله للمرة الثالثة في تاريخه إلى البطولة القارية.
وخلال مشواره في تصفيات النسخة الماضية لكأس أمم أفريقيا جمع الفريق ثماني نقاط من فوزين وتعادلين وخسارتين، مع تسجيل ثلاثة أهداف فقط مقابل أربعة أهداف سكنت مرماه، الأمر الذي يعكس ضعف الأداء الهجومي لكنه يبرز الانضباط الدفاعي الذي كان مفتاح بطاقة التأهل.
مع انطلاق النسخة الماضية للبطولة، واجهت تنزانيا تحديًا جديدًا في مجموعة صعبة ضمت المغرب والكونغو الديمقراطية وزامبيا، وهي مجموعة اختبرت قدرة الفريق على التعامل مع الفرق الكبرى في القارة، بدأ الفريق مشواره بمواجهة المغرب، وخسر المباراة رغم تقديمه أداءً دفاعيًا منظمًا حافظ على استقرار خطوطه الخلفية وأعطى انطباعًا إيجابيًا عن روح الفريق، المباراة الثانية لم تكن أفضل كثيرًا، إذ خسر أمام زامبيا بعد أن بدأ اللقاء بثقة ثم شهد تراجعًا بدنيًا في آخر ربع ساعة، ليؤكد الفريق مرة أخرى حاجته لتعزيز الجانب الهجومي والتوازن البدني خلال المباريات الطويلة والمجهدة.
أما المباراة الأخيرة في المجموعة فكانت أمام الكونغو الديمقراطية، ولأول مرة بدا الفريق أكثر جرأة في الأداء، محاولًا فرض أسلوبه الهجومي واستغلال الفرص التي أتيحت له، إلا أن اللقاء انتهى بالتعادل، ليودع الفريق البطولة من الدور الأول دون أن يسجل أي فوز، لكنه خرج بصورة أفضل من مشاركاته السابقة، حيث بدا منظّمًا وأكثر قدرة على مجابهة الفرق الكبرى، ويعتبر هذا الأداء خطوة إيجابية نحو بناء منتخب قادر على المنافسة على المدى الطويل.
يعتمد المنتخب التنزاني حاليًا على عناصر أساسية مثل اللاعب الدولي المخضرم مبوانا ساماتا، الذي يقود الهجوم بخبرة كبيرة منذ انطلاق مسيرته الدولية، ونوفاتوس ميروشي مدافع جوزتيبي التركي، وهو ما يمنح الفريق توازنًا بين الخبرة الدفاعية والهجومية. ويقود الفريق المدرب حميد سليمان، وقد نجح في تطوير الانضباط الدفاعي للمنتخب ومنحه شخصية أكثر صلابة على مستوى الأداء الجماعي.
تاريخياً، يعكس مشوار تنزانيا في البطولات الكبرى تحديًا مستمرًا، إذ لم يحقق الفريق أي فوز في ثلاث مشاركات سابقة في كأس أمم أفريقيا لكن الروح القتالية والانضباط الدفاعي كانت دائمًا سماته المميزة، وهو ما ظهر جليًا في نسخة 2023. ومع الدعم الجماهيري الكبير والاعتماد على لاعبين متميزين محليًا وخارجيًا، يبقى حلم تحقيق إنجاز تاريخي واقعيًا على المدى القريب، مع ضرورة تطوير الهجوم وتحسين القدرات البدنية للحفاظ على توازن الفريق خلال المباريات الحاسمة.
وفي 19 نوفمبر عام 2024 ، كتب المنتخب التنزاني صفحة جديدة في تاريخه حين تغلب على غينيا بهدف حمل توقيع سيمون موسوفا، ليضمن تأهله إلى نهائيات كأس الأمم في المغرب 2025.
وتواجه تنزانيا مهمة غاية في الصعوبة في المغرب حيث أوقعتها القرعة في مجموعة واحدة مع نيجيريا وأوغندا وتونس، وهي مجموعة صعبة لكنها ليست مستحيلة. فالفريق يملك مجموعة من اللاعبين الذين اكتسبوا خبرة واسعة، بدءًا من القائد مبوانا سماتا، مرورًا بسيمون موسوفا، وصولًا إلى العناصر الشابة التي ظهرت في الأعوام الأخيرة.
وفي المشاركات الثلاث السابقة في البطولة القارية، كان منتخب تنزانيا بمثابة ضيف شرف حيث عجز عن تحقيق أي انتصار مقابل تعادله ثلاث مرات وخسارته في ست مباريات، وسجل ستة أهداف مقابل 18 هدفا هزت شباكه.
رغم كل هذه النتائج المخيبة يبقى منتخب تنزانيا قطبا بارزا في منطقة شرق ووسط أفريقيا، حيث فاز بلقب هذه البطولة الإقليمية 3 مرات وحل وصيفا في 5 نسخ أخرى، ورغم أن تنزانيا لم تصل قط إلى كأس العالم، إلا أن الطريق لم يعد مغلقًا كما كان من قبل، فنتائجه في تصفيات المونديال تشير إلى أن الفريق بدأ يتعامل مع المباريات بعقلية مختلفة، عقلية تسعى للفوز قبل الدفاع عن الهزيمة.
وهكذا، ومع اقتراب موعد البطولة الأفريقية المقبلة، تبدو تنزانيا وكأنها تقف على حافة منعطف كبير، فإما أن تستثمر هذا الجيل وتكتب أول سطر حقيقي في عصر جديد، أو تعود من جديد إلى دائرة الانتظار الطويل، لكن الجمهور، الذي عاش عقودًا من الصبر، يعلم جيدًا أن هذا المنتخب لم يعد يبحث عن مجرد الظهور المشرف، بل يرغب في يترك بصمة، حتى لو احتاج الأمر إلى مزيد من الوقت، لأن الطريق نحو القمة يبدأ دائمًا بخطوة واحدة، والخطوة قد تكون هدفًا واحدًا… مثل الهدف الذي سجله موسوفا وأعاد تنزانيا إلى خريطة القارة.
على المستوى التاريخي يعد إيراستو نيوني الأكثر ارتداء لقميص تنزانيا في 107 مباراة سجل خلالها 6 أهداف خلال الفترة بين عامي 2006 إلى 2021، بينما يبقى مريشو ناجاسا، الهداف التاريخي برصيد 25 هدفا في 100 مباراة بين عامي 2006 و2015.
حقق منتخب تنزانيا أكبر فوز في تاريخه على الصومال بنتيجة صفر/7 مرتين الأولى في عام 1995 والثانية في 2018 بينما كان السقوط أمام منتخب السعودية بنتيجة صفر/ 8 هي الخسارة الأكبر لزعيم شرق القارة السمراء.