عملت العالمة الأثرية الألمانية هوريج سوروزيان فى معبد أمنحتب، وقدمت عطاءً كبيرُا فى علوم المصريات؛ مما جعل شريف فتحي وزير السياحة والآثار يقوم بتكريمها، وقت نجاح البعثة فى إقامة تماثيل محطمة للملك أمنحتب الثالث.
بدوره يقول المؤرخ الأثري فرنسيس أمين لـ"بوابة الأهرام"، إن هوريج سوروزيان، تٌلقب بـ"سيدة التماثيل"، وكان لها دورها فى أعادة وتجميع تماثيل حور محب من قبل، كما كان لها أبلغ الأثر فى تغيير نظريات تاريخية عن الزلزال الذي أدي لتحطم تماثيل أمنحتب الثالث.
ويوضح أمين، أن الفرضيات التاريخية القديمة كانت تعتمد على ما قاله الجغرافي والمؤرخ سترابون بأن مصر شهدت زلزالاً عام ٢٧ قبل الميلاد، لكن العالمة هوريج سوروزيان استطاعت بعد بحث وإجراء دراسات موثقة الوصول إلى التحديد العمري للزلزال وهو عام ١٢٠٠ قبل الميلاد، حيث أجرت دراسات جعلها تحدد أن الزلزال كان فى عصر سيتى الثاني، وأن الزلزال كان عموديُا وليس بشكل رأسي؛ مما جعل تماثيل أمنحتب الثالث تهوى إلى عمق ٣ أمتار فى باطن الأرض.
ترك الملك أمنحتب الثالث معبداً جنائزيًا في طيبة الأقصر قريبًا من نهر النيل، وكان على درجة كبيرة من الجمال والبناء، لكن قربه من نهر النيل من جانب فضلاً عن حوث زلزال شهير ضرب المنطقة من جانب آخر، أدى إلى تهاوي البناء، ولم يتبق منه سوى بقايا أبرزها تمثالي "ممنون"، التي لاحقتهما الأساطير والقصص والحكايات في كتب التاريخ.
هوريج سوروزيان.. الأثرية التي أعادت الحياة لـ تمثالي ممنون
وقد بدأت هوريج سوروزيان، ترميم تمثالي ممنون ومعبد الملك أمنحتب الثالث، منذ عام 1998 تحت إشراف وزارة الآثار والمعهد الألماني للآثار، وذلك للحفاظ على بقايا المعبد وإعادة بنائه من جديد.
ويوضح أمين الذي خص "بوابة الأهرام" بصور نادرة لتمثالي ممنون، وهما تحت مياه فيضان النيل، أن معبد أمنحتب الثالث، بناه المهندس الشهير أمنحتب ابن حابو، وقد استطاعت هوريج سوروزيان، أيضا أن تثبت بنظرية أثرية أن أحجار وتماثيل ممنون تم جلبها من محاجر الجبل الأحمر بالقاهرة، وليس من جبل السلسلة كما كان يُقال، مؤكدًا على أن أمنحتب الثالث كان عنده عشق للأحجار، فقد تم اكتشاف أحجار مجلوبة من جبال باكستان، حيث ورث أمنحتب الثالث أميراطورية ممتدة من أجداده.
ترميم تمثالي ممنون
تمثالي ممنون
بعد حوالي 1300 سنة على إنشاء تمثالي ممنون، تصدعت بعض أجزائهما أيضًا وحدثت بالتمثال الأيسر شقوق، وكان إذا مر هواء الصباح في تلك الشقوق المشبعة بالندى ســــمع له أزير وصفير؛ مما حدا بالرحالة اليونان الذين كانوا يزورون مصر آنذاك أن يزعموا أن التمثال يغني مع شروق الشمس، وسجلوا هذه الظاهرة الغريبة كتابة على ساق التمثال وقاعدته، وكتبوا قصائد باليونانية وهي الاعتقادات التي سادت في أوروبا آنذاك، بل أعطوا للتمثال اسم "ممنون"، الذي اشترك في حرب طراودة الشهيرة في الأساطير اليونانية.
صورة نادرة لتمثالي ممنون خلال فيضان النيل
كوم الحيتان
ويضيف أمين، أن منطقة كوم الحيتان سُميت بهذا الاسم؛ نظرًا لأن الصيادين كانوا يقومون بصيد الحيتان فى وقت غمر هذه المنطقة بمياه نهر النيل، ولأن أمنحتب الثالث كان يبحث عن الشفاء حيث أصيب وهو فى الخمسين من العمر بمرض غامض، لذلك أقام تماثيل للآلهة سخمت بحثًا عن الحماية، وهى مئات التماثيل التى اكتشفتها الدكتورة هوريج سوروزيان، والتى تحاضر فى عدد من جامعات أوروبا، كما أن زوجها تولى إدارة المعهد الألماني المصري، حيث كان له دور كبير فى اكتشافات أثرية عديدة فى مصر وخاصة فى منطقة الأهرامات، مؤكدُا على أن أخطر ما كان يواجه معبد أمنحتب هو المياه الجوفية؛ بسبب زراعات قصب السكر، وكذلك الحرائق بسبب إشعال النيران فى نباتات الحلفا والعقول من قبل المزارعين، موضحًا أن العالمة الأثرية هوريج سوروزيان قامت بدور فى تخفيف المياه الجوفية.
وأضاف فرنسيس أمين، أن العالمة هوريج سوروزيان أقامت من قبل ٧ تماثيل للملك أمنحتب الثالث، مؤكدُا على أن الترميم نظرية من النظريات وفلسفة، وأن البعثة الألمانية تؤمن بمبدأ إثارة الخيال عند المتلقي وتؤمن بعدم وضع أشياء بعيدة عن الأثر؛ مما يجعل إقامة تماثيل لأمنحتب الثالث فى غاية الأهمية، نظرا لتهشمهما بشكل كامل بسبب الزلزال العنيف الذي ضرب مصر، مؤكدًا أن جميع الأعمال بالتمثالين تمت وفق أحدث الأساليب العلمية والمعايير الدولية المعتمدة في مجال الترميم الأثري، واستخدام مواد متوافقة مع طبيعة الحجر الأثري بما يضمن استدامتهما على المدى الطويل.
صورة نادرة لتمثالي ممنون خلال فيضان النيل
بيان وزارة السياحة والآثار
وشهد، شريف فتحي وزير السياحة والآثار إزاحة الستار عن تمثالين ضخمين من الألبستر للملك أمنحتب الثالث وذلك بعد ترميمهما وإعادة تركيبهما ورفعهما بموقعهما الأصلي بالصرح الثالث بالمعبد الجنائزي للملك بالبر الغربي بالأقصر، يرافقه الدكتور محمد إسماعيل خالد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار وبحضور الدكتور هشام الليثي رئيس قطاع حفظ وتسجيل الآثار والأستاذة رنا جوهر مستشار الوزير للعلاقات الخارجية والمشرف العام على الإدارة العامة للمنظمات الدولية للتراث الثقافي والتعاون الدولي، ومحمد عبد البديع رئيس قطاع الآثار المصرية، والدكتور بهاء عبّد الجابر مدير عام منطقة آثار البر الغربي، والدكتور ديترش راو مدير المعهد الألماني للآثار بالقاهرة، والدكتورة هوريج سوروزيان مديرة المشروع، والدكتورة نايري هابيكيان مهندسة الموقع، وعدد من قيادات المجلس الأعلى للآثار بالأقصر.
جاء ذلك ضمن أعمال مشروع الحفاظ على تمثالي ميمنون ومعبد الملك أمنحتب الثالث الذي بدأ عام 1998 بالتعاون بين المجلس الأعلى للآثار والمعهد الألماني للآثار بالقاهرة الذي دعم مبادرة المشروع، وبرنامج (World Monuments Watch) و (World Monuments Fund) اللذين أتاحا تصور مشروع الحفاظ على الموقع عام 1998 والشروع في تنفيذه، وجامعة يوهانس جوتنبرج في ماينتس، بهدف حماية ما تبقى من المعبد وإعادته إلى شكله الأصلي قدر الإمكان.
وقد أسفرت الأعمال عن اكتشاف وترميم وتوثيق وإعادة تركيب ورفع العديد من التماثيل التي كانت موجودة بالمعبد بالإضافة إلي بعض عناصره المعمارية.
كما أشار إلى التعاون المصري الألماني الممتد لسنوات طويلة، مؤكدًا أنه يمثل نموذجًا ناجحًا للتعاون الدولي المثمر، ومعربًا عن تطلعه إلى استمرار هذا التعاون البنّاء لسنوات عديدة قادمة بما يخدم أهداف الحفاظ على التراث الإنساني.
وفي ختام كلمته وجّه الوزير الشكر والتقدير إلى العاملين بالموقع، مثمنًا ما بذلوه من جهود استثنائية في أعمال شاقة، لافتًا إلى أن تعاملهم مع آلاف الأطنان من الأحمال الثقيلة يعكس حجم التحديات التي واجهوها وكأنهم يرفعون مسافات شاسعة، ومؤكدًا تقديره الكامل لإخلاصهم وتفانيهم في إنجاز هذا العمل على النحو المشرف.
وقام شريف فتحي أيضاً بتكريم الدكتورة هوريج سوروزيان، حيث قدم لها شهادة تقدير من وزارة السياحة والآثار، تقديرًا لجهودها المتواصلة وعطائها المتميز على مدار السنوات الماضية في إحياء المعبد الجنائزي للملك أمنحتب الثالث، إلى جانب إهدائها مستنسخًا لأحد تماثيل الإلهة سخمت آلهة الحماية، والتي تم الكشف عن عدد كبير من تماثيلها بالموقع خلال فترة إشرافها على المشروع.
ومن جانبه أوضح الدكتور محمد إسماعيل خالد، إن تنفيذ أعمال ترميم وتوثيق وإعادة تركيب ورفع هذين التمثالين الضخمين، والتي استمرت قرابة عقدين من الزمن، تمت وفق أحدث الأساليب العلمية والمعايير الدولية المعتمدة في مجال الترميم الأثري، وبما يضمن الحفاظ على أصالتهما وقيمتهما التاريخية، وإعادتهما إلى موضعهما الأصلي داخل المعبد الجنائزي للملك أمنحتب الثالث بالبر الغربي في الأقصر.
وأشار إلى أن أعمال الترميم شملت دراسات علمية دقيقة، وتوثيقًا شاملًا لحالة التمثالين، واستخدام مواد متوافقة مع طبيعة الحجر الأثري، بما يضمن استدامتهما على المدى الطويل، مع مراعاة الظروف البيئية والمناخية المحيطة بالموقع، واصفاً ما تم من أعمال بالخطوة الهامة ضمن خطة متكاملة لإحياء وتطوير المواقع الأثرية البر الغربي بالأقصر، وتعزيز تجربة الزائرين، مع الحفاظ الكامل على القيمة الأثرية والتاريخية للموقع، حيث تجري حالياً أعمال توثيق وترميم الصرح الأول لمعبد الرامسيوم وقرب الانتهاء من الدراسات اللازمة لتحديد حالة حفظ مقبرة الملكة نفرتاري لإمكانية إعادة فتحها للجمهور.
وخلال كلمته وصف الدكتور ديترش راو مدير المعهد الألماني للآثار بالقاهرة المشروع بأنه أحد أكبر وأهم المشروعات الأثرية المشتركة، موضحا أن المشروع شهد تنفيذ العديد من الأعمال المعقدة، في إطار تعاون وثيق ومثمر، معربًا عن خالص شكره للوزارة على دعمها المتواصل الذي ساهم في الوصول بالمشروع لافتتاحه اليوم ووقوف التمثالين في صورتهما الحالية.
وأشار الدكتور ديترش راو إلى أن هذا الإنجاز هو ثمرة تعاون مشترك لفريق دولي ومحلي ضم خبراء مصريين وأجانب، مثمنًا دور مركز البحوث الأمريكي لدعمه مشروع خفض منسوب المياه الجوفية بالمنطقة.
كما أعرب عن تمنياته باستمرار التعاون المشترك لإنجاز المزيد من المشروعات المستقبلية، مهنئا كل من شارك في هذا العمل على ما تحقق من نجاح.
واستعرضت الدكتورة نايري هابيكيان أبرز التحديات التي واجهت أعمال المشروع خلال السنوات الماضية تمثلت في التغير المستمر في منسوب المياه الجوفية، ارتفاعًا وانخفاضًا، وهو ما تطلّب حلولًا هندسية وفنية دقيقة للحفاظ على استقرار الموقع الأثري.
وأشارت إلى أن المشروع مثّل فرصة حقيقية لبناء كوادر مصرية مؤهلة، حيث تم تدريب وتأهيل أكثر من 30 مرممًا مصريًا، إلى جانب استقطاب نحو 10 مهندسين معماريين للعمل في مجال الآثار، وذلك في إطار شراكة فعالة وتكاملية بين الخبرات المصرية والدولية.
كما أثنت على التعاون بين المجلس الأعلى للآثار والمعهد الألماني للآثار منذ عام 1998 في تحقيق نتائج غير مسبوقة على صعيدي الترميم وبناء القدرات، وأن ما تحقق في الموقع يُعد نموذجًا رائدًا يُحتذى به في مجالات العمل الأثري المشترك والتعاون الدولي.
وقالت الدكتورة هوريج سورزيان أن البعثة كانت قد عثرت على مدار سنوات عملها بالمشروع على أجزاء من هذين التمثالين بصورة متفرقة بالموقع، ولكنهم كانوا في حالة سيئة من الحفظ حيث غمرها الطمي والمياه المالحة، كما تم استعادة بعض الكتل الجرانيت المكونة لقاعدة التمثالين، من المتحف المفتوح بمعابد الكرنك.
وأضافت إنه في عام 2006 بدأ فريق عمل المشروع في تنظيف التمثالين وترميمهما وإجراء أعمال المسح الثلاثي الأبعاد، وإعادة تركيب الكتل المتفرقة المكونة لهما حتى تم إعادة تركيبهما ورفعهما اليوم في عام 2025 في مكان عرضهما الأصلي بالمعبد. ويتراوح ارتفاع هذين التمثالين ما بين 13.6 و14.5متراً.
إن فريق عمل المشروع كان قد عثر، على مدار سنوات تنفيذ المشروع، على أجزاء متفرقة من هذين التمثالين داخل الموقع، إلا أنها كانت في حالة سيئة من الحفظ نتيجة تعرضها للطمي والمياه المالحة التي غمرت معظم أجزاءها. كما تم خلال أعمال المشروع استعادة عدد من الكتل الجرانيتية المكوِّنة لقواعد التمثالين من المتحف المفتوح بمعابد الكرنك.
وأشار محمد عبد البديع أن التمثالان يُصوِّران الملك أمنحتب الثالث جالسًا، ويداه مستقرّتان على فخذيه، مرتديًا غطاء الرأس «النمس» يعلوه التاج المزدوج والنقبة الملكية ذات الطيات، وتزين ذقنه لحية احتفالية، بينما يكتمل زيه بذيل الثور التقليدي. ويصاحب التمثالين عدد من تماثيل الملكات، تتقدمهن الزوجة الملكية العظمى «تي»، إلى جانب تماثيل للأميرة «إيزيس» والملكة الأم «موت إم ويا». كما تزيّنت جوانب العرش بمنظر «السماتاوي» الذي يرمز إلى توحيد مصر العليا والسفلى، مع بقايا ألوان أصلية ما زالت ظاهرة على بعض العناصر الزخرفية.
ومن الجدير بالذكر أن مشروع الحفاظ على تمثالي ميمنون ومعبد الملك أمنحتب الثالث شمل العديد من الأعمال من أبرزها ترميم وإعادة تركيب ورفع زوج من التماثيل الجالسة المصنوعة من الكوارتزيت عند مدخل الصرح الثاني، كما تم رفع تمثالين ملكيين واقفين من الكوارتزيت عند البوابة الشمالية لحرم المعبد. وقد أُتيحت عملية إنقاذ هذه الآثار المفككة وإخراجها من الطمي والمياه المالحة وإعادتها إلى مواقعها الأصلية بفضل تنفيذ نظام شامل لخفض منسوب المياه الجوفية، مما أسهم في خفض مستوى الأرض بنحو ثلاثة أمتار، وأتاح الحفاظ عليها وإعادة تركيبها بأمان.
كما تم العثور على 280 تمثالًا وأجزاء تماثيل للإلهة سخمت ذات الرأس الأسد، وتوثيقها وترميمها، وهي حاليًا في انتظار عرضها بفناء الأعمدة بالمعبد، كما تم اكتشاف إنقاذ تمثالين من تماثيل أبو الهول من الحجر الجيري وجاري العمل على ترميمهما، بالإضافة لوضع خطة شاملة لإدارة الموقع وحمايته.
شُيِّد المعبد الجنائزي للملك أمنحتب الثالث، المعروف بـمعبد ملايين السنين، خلال النصف الأول من القرن 14 قبل الميلاد على مدى 39 عامًا من فترة حكمه. ويُعد المعبد الأكبر بين المعابد الجنائزية وأكثرها ثراءً في عناصره المعمارية والتجهيزية. وقد تعرّض المعبد لانهيار نتيجة زلزال عنيف في عام 1200 قبل الميلاد، ثم استُخدمت بقاياه كمحجر في عصور لاحقة، قبل أن تتأثر أطلاله بالسيول التي غطت تدريجيًا بطبقات الطمي النيلي عبر الزمن.
لم يتبقَّ من معالم المعبد قائمة في مواضعها الأصلية سوى التمثالين العملاقين للملك أمنحتب الثالث عند مدخل حرم المعبد المدمَّر المعروفين بتمثالي ممنون. أما باقي الآثار فكانت مدمرة، غارقة في المياه المالحة، ومحاطة بنباتات مسببة للحرائق، إضافة لتهديدات التعدي والتخريب. وفي القرن التاسع عشر، استولى عدد من هواة جمع الآثار ومحبي الفنون على العديد من القطع من أطلال المعبد.