بهدوء يليق برجل العلم والفكر، رحل أحد أبرز رموز الثقافة العربية الحديثة، تاركًا خلفه إرثًا فكريًا وإنسانيًا لا يمحى.
فقدت مصر والعالم العربي المؤرخ الدكتور محمد صابر عرب وزير الثقافة الأسبق، الذي لم يكن مجرد أكاديمي أو مسئُول، بل كان نموذجًا للمثقف الشامل الذي جمع بين عمق الباحث وهموم المنفذ ورحابة الإنسان.
ومن خلال عملي وإجراء حوارات صحفية معه في كل المواقع التي شغلها، كنت أجد د. صابر عرب نموذجًا ثابتًا مخلصًا في عمله، صاحب مبادئ لا تتزعزع، حاملًا علمًا جمًّا وإدراكًا عميقًا وبصيرة نافذة.
كان احترامه للإنسانية قيمة جوهرية في شخصيته تتجلى في حديثه وتعامله وفكره، مما جعل الحوار معه ليس لقاءً صحفيًا عاديًا، بل استضافة فكرية وإنسانية متكاملة.
كان يُصغي بكل جوارحه، ويجيب بعمق وهدوء، وكأنه يحمل على عاتقه مسئُولية إضاءة كل زاوية في الموضوع المطروح، ليس بالمعرفة فحسب، بل بالحكمة والتواضع.
لقد كان رحيله تتويجًا لمسيرة حافلة بدأت عام 1948، وتركت بصماتها الواضحة في أكثر من مجال؛ كأستاذ لتاريخ العرب الحديث بجامعة الأزهر، وكوزير للثقافة في ثلاث حكومات متعاقبة بعد ثورة يناير (وقت شديد الصعوبة)، وكرئيس لدار الكتب والوثائق القومية.
كان الراحل يدرك أن الثقافة والذاكرة هما روح الأمة، فسخَّر علمه وإدارته لخدمتهما.
وهو ما جعل تكريمه حتميًا، فحصل على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 2012، واختير "شخصية العام الثقافية" في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2017.
لكن تكريمه الحقيقي يتمثل في المكتبة الغنية التي تركها لنا من "الحركة الوطنية في مصر" إلى "تاريخ العرب الحديث" و"أوراق الدكتور طه حسين" و"وثائق مصر في القرن العشرين"، وهي مؤلفات تشكِّل مراجع أساسية لفهم التحولات الكبرى في تاريخنا المعاصر.
رحل الدكتور محمد صابر عرب بعد صراع مع المرض، لكنه ترك ما يضمن بقاءه بيننا: علمًا منظومًا في كُتب، وقيَمًا محفورة في قلوب من عرفوه، ومسيرة تُذكِّرنا دومًا أن الثقافة الحقيقية لا تنفصل عن الإنسانية العميقة والاستقامة في الفكر والعمل.
لقد كان رجلًا بحجم الوطن، ومفكرًا بحجم التاريخ، وإنسانًا بحجم القيم السامية التي آمن بها وعاش من أجلها.