تكشف إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية التي أُعلنت في الرابع من ديسمبر 2025 عن أن آسيا، وبالأخص الصين، باتت المسرح الرئيسي لإعادة تعريف الدور العالمي للولايات المتحدة. فالوثيقة لا تحمل مفاجآت كبرى بقدر ما تؤكد اتجاهًا قائمًا يقوم على تقييد النفوذ الصيني وإعادة تشكيل البيئة الإستراتيجية في المحيطين الهندي والهادئ، من خلال مزيج معقَّد من التنافس الاقتصادي، والردع العسكري، وإعادة هندسة التحالفات. وهو الأمر الذي يثير تساؤلًا يتجاوز النصوص والعبارات الدبلوماسية الهادئة، وهو: هل نحن أمام وثيقة ردع تمنع الحرب في آسيا، أم أننا أمام مسار تراكمي يجعل الحرب أكثر احتمالًا؟ فالتاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى نادرًا ما تبدأ بإعلان نية، بل غالبًا ما تنشأ من سوء تقدير، أو من منطق ردع يتحول تدريجيًا إلى استفزاز.
الوثيقة التي أصدرها الرئيس ترمب تضع «الردع» في قلب مقاربتها لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ. فالولايات المتحدة لا تخفي هدفها الأساسي المتمثل في الحفاظ على تفوقها العسكري ومنع الصين من فرض هيمنة إقليمية قد تعيد تشكيل ميزان القوى العالمي. غير أن المشكلة لا تكمن في الهدف المعلن، بل في الأدوات المختارة لتحقيقه، وفي البيئة الإقليمية شديدة الحساسية التي يُراد تطبيق هذه الإستراتيجية فيها.
تعتمد المقاربة الأمريكية على تكثيف الوجود العسكري في محيط الصين، وبناء شبكة واسعة من القواعد، والتسهيلات، واتفاقيات الوصول العسكري مع الحلفاء، خصوصًا في ما يُعرف بـ"سلسلة الجزر الأولى"، الممتدة من اليابان مرورًا بالفلبين وصولًا إلى جنوب شرق آسيا. ومن منظور واشنطن، يشكل هذا الانتشار شبكة ردع ضرورية لمنع أية "مغامرة" صينية، خصوصًا تجاه تايوان. أما من منظور بكين، فهو طوق عسكري يضيق تدريجيًا حول مجالها الحيوي.
هنا يكمن جوهر المعضلة. فالردع، إذا لم يُدار بدقة فائقة، قد يتحول إلى عامل تسريع للصراع. التجربة التاريخية تشير إلى أن القوى الصاعدة قد تلجأ إلى استخدام القوة عندما تشعر بأن ميزان القوى يتجه ضدها مستقبلًا. وهذا ما يفسر التحذيرات الأمريكية نفسها من احتمال اندلاع حرب في أفق زمني قريب نسبيًا، وربط بعض التقديرات عام 2027 بسيناريو تايوان، وهو العام الذي تسعى فيه القيادة الصينية إلى استكمال جاهزية جيشها للتعامل مع هذا الملف.
لا ترى واشنطن أن تايوان مجرد قضية سياسية أو قانونية، بل تعتبرها حجر زاوية في أمنها الآسيوي. فالجزيرة لا تحتل موقعًا حاسمًا في إنتاج أشباه الموصلات فحسب، بل تشكل أيضًا بوابة إستراتيجية تفصل بين شرق آسيا وجنوبها، وتمنع البحرية الصينية من النفاذ الحر إلى "سلسلة الجزر الثانية" وصولًا إلى غوام والمحيط الهادئ. ومن هذا المنظور، يصبح الدفاع عن تايوان دفاعًا عن الهيكل الأمني الأمريكي في آسيا، لا عن الجزيرة وحدها.
غير أن هذا المنطق يضع دول المنطقة أمام معادلة خطرة. فبعض الدول، مثل اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين، تجد نفسها في قلب الصراع المحتمل بسبب سماحها بانتشار قوات أمريكية على أراضيها، ما يجعلها هدفًا مباشرًا في أية مواجهة كبرى. وفي المقابل، تتبنى غالبية دول رابطة جنوب شرق آسيا (آسيان) سياسة الحياد والتحوّط الإستراتيجي، إدراكًا منها أن الانحياز الصريح لأي طرف قد يحوّلها إلى ساحات حرب بالوكالة، أو أسوأ من ذلك، إلى ضحايا صراع بين قوى عظمى. كما أن الهند، التي تراهن عليها الولايات المتحدة كقوة موازِنة للعملاق الصيني، لا تزال تتحرك بمنطق استقلالي يرفض الانخراط الكامل في أي محور.
ومن ناحية أخرى، تُدرك واشنطن، أيضًا، أن الحرب مع الصين ستكون مكلفة إلى حد يصعب احتماله. فعديد من السيناريوهات العسكرية، بما فيها تلك التي أعدتها مراكز بحث أمريكية، تنتهي إما بمأزق مدمِّر، أو بخسائر جسيمة لجميع الأطراف. لذلك، تؤكد الإستراتيجية الأمريكية الجديدة أن الهدف في آسيا هو "كسب المستقبل الاقتصادي، ومنع المواجهة العسكرية". لكن التناقض يظهر حين يُترجم هذا الهدف الاقتصادي إلى حشد عسكري واسع، قد يُقرأ في بكين باعتباره تمهيدًا لمنع الصين بالقوة من تحقيق أهدافها القومية.
إذن، هل تقود الإستراتيجية الأمريكية الجديدة إلى الحرب في آسيا؟ الإجابة الأقرب إلى الواقع هي أن إدارة ترامب تبدو غير ساعية أو راغبة في الحرب مع الصين، لكنها تزيد من مخاطرها. فالردع المكثف، حين يُبنى على افتراضات سلبية متبادلة عن نوايا الخصم، قد يتحول إلى سباق توقيت، حيث يحاول كل طرف التحرك قبل أن يصبح وضعه أسوأ. وهذا ما يجعل تايوان نقطة الاشتعال الأخطر في النظام الدولي الراهن.
الخلاصة أن آسيا تدخل مرحلة "السلام الهش"، حيث يُدار الصراع تحت عتبة الحرب، لكن من دون ضمانات حقيقية بعدم الانزلاق إليها. وفي مثل هذه البيئة، لا يكون السؤال هو ما إذا كانت القوى الكبرى تريد الحرب، بل ما إذا كانت قادرة على تجنبها. والتجارب التاريخية لا تدعو إلى كثير من الاطمئنان.
رئيس وحدة العلاقات الدولية – مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية