خلال مسيرتِه التي لم تزلْ مضيئَةً ومُشعَّةً ومؤثّرَةً، لم يكنِ اللاعبُ المصريُّ محمدُ صلاح، كابتنُ منتخبِ مصرَ الوطنيِّ ولاعبُ نادي ليفربولَ الإنجليزيِّ، مجرَّدَ تجربَةٍ رياضيَّةٍ نموذجيَّةٍ وناجحَةٍ ومتألِّقَةٍ فحسْبُ، بلِ استثمرَ هذا التفوقَ ليكونَ نموذجًا وطنيًّا واجتماعيًّا، بلْ وثقافيًّا مُلهمًا لكلِّ إنسانٍ مصريٍّ وعربيٍّ وإفريقيٍّ، يسعى إلى قهرِ المستحيلِ والإيمانِ بأحلامِهِ وإمكاناتِه.
حتى صارَ أيقونَةً لأجيالٍ مُتفاوتَةٍ وشرائحَ عمريَّةٍ مُختلفَةٍ حولَ العالَمِ، وقدْ لمسنا عبرَ أوجُهٍ عديدَةٍ هذا التأثيرَ الإيجابيَّ للشابِّ المصريِّ المُثابرِ والمُتفَوِّقِ، وكيفَ حقّقتْ، على سبيلِ المثالِ، حملَةُ «أنتَ أقوى منَ المخدِّراتِ» التي أطلقتْها وزارةُ التضامنِ الاجتماعيِّ بمشاركةِ محمدِ صلاحٍ وتصدُّرِهِ لها، نجاحًا كبيرًا. وقدْ جاءَ اختيارُهُ حينها بناءً على منهجٍ علميٍّ، منْ خلالِ دراسةٍ عنِ الشخصيَّةِ الأكثرِ تأثيرًا في الشبابِ المصريِّ، فكانَ هوَ الشخصيَّةَ الرياضيَّةَ الأكثرَ تأثيرًا، بلْ وكانَ، وفقًا لمجلَّةِ «تايم» العالميَّةِ، ضمنَ مئةِ شخصيَّةٍ الأكثرِ تأثيرًا في العالَمِ.
ولمْ يكتفِ بتحقيقِ النجاحاتِ تلوَ النجاحاتِ، بلْ أصرَّ على الحفاظِ على صورتِهِ المضيئَةِ في نفسِهِ أوّلًا ولدى الجميعِ، لما امتلكَهُ مِن ذهنيَّةٍ واعيَةٍ، وطريقَةِ تفكيرٍ سليمَةٍ، وسلوكٍ قويمٍ، وفهمٍ عميقٍ لأبعادِ حُلْمِهِ ومتطلّباتِهِ مِن انضباطٍ وثقةٍ بالنفسِ. فيما استخدمَ بعضُ المحلّلينَ مصطلحَ «المنتاليتي» حينَ تساءلوا: أينَ ذهبتْ خلالَ أزمتِهِ الأخيرَةِ معَ ناديهِ؟ غيرَ أنَّ هذا السؤالَ لم يكنْ في محلِّهِ، فقدْ تابعنا جميعًا رحلَةَ محمدِ صلاحٍ التي بنى فيها نفسَهُ، وعملَ على تطويرِها، حتى فرضَ وجودَهُ كإنسانٍ وسفيرٍ إلى العالَمِ أجمعَ، لوطنِهِ مصرَ، ولقريتِهِ نجريجَ التي أسهمَ كثيرًا في تعزيزِ حضورِها واعتزازِ شبابِها بأنفسِهِمْ، لكونِهِمْ منْ بلدَةِ محمدِ صلاحٍ.
وكمْ شاهدنا مواقفَ لجماهيرِ القارَةِ السمراءِ وهُم يتزاحمونَ لالتقاطِ الصوَرِ التذكاريَّةِ معَهُ في جميعِ اللقاءاتِ التي يخوضُها منتخبُنا الوطنيُّ خارجَ الديارِ في أنحاءِ القارَةِ، فضلًا عنْ أطفالٍ وشبابِ إنجلترَا الذينَ يهتفون باسمِهِ، ومنهُم مَن اختارَ تشجيعَ الفريقِ بسبَبِهِ، حتى تضاعفتْ نسبةُ مُشجّعيهِ في العالَمِ كلِّهِ. وتشهدُ جداريّاتُ مدينةِ ليفربولَ صوَرَهُ المُنَتشرَةَ في أنحاءِ المدينَةِ، وهوَ أوّلُ لاعبٍ عربيٍّ في التاريخِ يحتفي بهِ متحفُ «مدام توسو» الشهيرُ في العاصمةِ البريطانيَّةِ لندنَ، عبرَ تمثالٍ شمعيٍّ يجسّدُ روحَهُ المصريَّةَ الناجحَةَ.
وحقّقَ مِن خلالِ مسيرتِهِ أرقامًا قياسيَّةً لا يزالُ يحطّمُها، وينتصرُ فيها على نفسِهِ، فكانَ السببَ الأبرزَ في صنعِ مجدِ ناديهِ. ومنْ هنا أدركَ النادي، حتى اللحظَةِ الأخيرَةِ، أنَّ محمدَ صلاحٍ هوَ الحصانُ الرابحُ الذي يجوزُ، بلْ يجبُ، أنْ تتغيّرَ مِن أجلِهِ التقاليدُ الصارِمَةُ، فتمَّ التجديدُ لهُ وفقَ رغبتِهِ، لأنَّهُ الوحيدُ، أوِ الأكثرُ، حفاظًا على مستواهُ وتألّقِهِ، رغمَ التراجعِ التدريجيِّ للفريقِ منذُ رحيلِ وغيابِ عناصرَ مؤثّرَةٍ مِن لاعبينَ لم يُوَفَّقِ النادي في اختيارِ بدائلَ لهُم تعوّضُ مُستواهُْم.
ورغمَ ذلكَ، واصلَ الفريقُ المنافسَةَ على البطولاتِ، وحصلَ محمدُ صلاحٍ على جوائزِ الهدَّافِ وصناعةِ الأهدافِ، وبلَغَ أرقامًا تجعلُ المهمَّةَ شِبهَ مستحيلَةٍ أمامَ أيِّ لاعبٍ يأتي بعدَهُ. وحينَ أرادَ البعضُ تحميلَهُ مسئوليَّةَ تراجعِ الأداءِ الجماعيِّ للفريقِ، وهوَ الأفضلُ حتى في ظلِّ هذا التراجعِ، كانَ مباشرًا وصريحًا، وقبلَ كلِّ شيءٍ كانَ إنسانًا مِن حقِّهِ التعبيرُ عنْ مشاعرِهِ، وهوَ يلقى معاملَةً غيرَ عادلَةٍ لا تليقُ بما قدّمَهُ مِن عطاءٍ.
وهنا خرجَ الظلاميّونَ وأصحابُ الفكرِ الفاسدِ والنفوسِ الضيّقَةِ، ممّنْ يمثّلونَ النقطَةَ السوداءَ الداكِنَةَ في هذا العالَمِ، شامتِينَ في البطلِ والرمزِ المصريِّ، ومبرّرينَ أزمتَهُ بأنَّها عقابٌ إلهيٌّ، بدعوى عدمِ نصرتِهِ لأبناءِ غزَّةَ في محنتِهِمْ. وقبلَ أنْ نتساءلَ عمّا يراهُ هؤلاءِ الآنَ بعدَ عودتِهِ القويَّةِ والسريعَةِ في المباراةِ التاليَةِ أمامَ برايتونَ، وإسهامِهِ في الهجماتِ الخطيرَةِ، وصناعتِهِ الساحرَةِ مِنْ ركلَةٍ ركنيَّةٍ للهدفِ الثاني، وتشجيعِ وهتافِ الجمهورِ لأسطورَةِ فريقِهِمْ منذُ لحظَةِ استعدادِهِ للمشاركةِ حتى خروجِهِ منَ الملعبِ، وقبلَ سؤالِهِمْ عنْ هذا المشهدِ وهُمُ القائلونَ إنَّ الجماهيرَ تخلّتْ عنهُ لتخلّيهِ عنِ القضيَّةِ الفلسطينيَّةِ، يجدرُ التأكيدُ أنَّ لكلِّ ذي بصيرَةٍ ووعيٍ إدراكًا بأنَّ فلسفَةَ التضامنِ والدعمِ تتحدَّدُ وفقًا لوضعيّاتِنا وطرقِ تأثيرِنا ومجالاتِ عملِنا، وهوَ ما يَعيهِ ويُدركُهُ محمدُ صلاحٍ جيّدًا.
ومنْ هنا نفهمُ، على سبيلِ المثالِ، دورَ مصرَ في نصرَةِ القضيَّةِ الفلسطينيَّةِ، ودورَ دُولٍ مثلَ جنوبِ إفريقيا، ودُولٍ أوروبيَّةٍ ولاتينيَّةٍ، ودُولٍ أُخرى حولَ العالَمِ أدانتِ الإبادَةَ واعترفتْ بحقِّ الفلسطينيّينَ في دولَةٍ مُستقِلَّةٍ، وكذلكَ دورَ دُوَلٍ أعضاءٍ في الأممِ المتَّحِدَةِ والمحكمَةِ الجنائيَّةِ الدوليَّةِ، ودورَ مُغرِّدينَ ومؤثّرينَ حولَ العالَمِ.
وحينَ أعلنَ الاتحادُ الفلسطينيُّ لكرةِ القدمِ استشهادَ اللاعبِ الفلسطينيِّ سليمانِ العبيدِ في غارَةٍ جويَّةٍ لجيشِ الكيانِ المحتلِّ استهدفتْ مُنتظرِي المساعداتِ الإنسانيَّةِ جنوبَ قطاعِ غزَّةَ، نشرَ الاتحادُ الأوروبيُّ لكرةِ القدمِ بيانًا نعى فيهِ اللاعبَ، واصفًا إيَّاهُ بالموهبَةِ التي مَنَحَتْ أملًا هائلًا لعددٍ لا يُحصى مِنَ الأطفالِ، حتى في أحلكِ الأوقاتِ.
وعلّقَ محمدُ صلاحٍ حينها على تلكَ التغريدَةِ متسائلًا: «هلْ يمكنُكَ إخبارُنا كيفَ وأينَ ولماذا؟». وكانَ لهذا التساؤلِ أثرٌ كبيرٌ، إذْ لقيَ تفاعلًا واسعًا على المِنَصَّةِ، حاصِدًا أكثرَ مِن مليونِ علامَةِ إعجابٍ، ونحوَ ثلاثِمئةِ ألفِ إعادَةِ مشارَكَةٍ، واثنينِ وعشرينَ ألفَ تعليقٍ، وشاهدَهُ أكثرُ مِن سبعينَ مليونَ شخصٍ خلالَ سبعَةِ عشرَ ساعَةٍ فقطْ. حتى إنَّ صحيفَةَ «ماركا» الإسبانيَّةَ علّقتْ على تغريدتِهِ بعُنوانِ: «ضربَةٌ مُوجِعَةٌ مِن صلاحٍ للاتحادِ الأوروبيِّ لكرةِ القَدَمِ»، فيما كتبتْ «الجارديانُ» البريطانيَّةُ: «لطالما أعربَ لاعبُ ليفربولَ ونجمُ منتخبِ مصرَ عنْ تعاطُفِهِ معَ أهالي غزَّةَ طوالَ فترَةِ الصراعِ، وتبرَّعَ للصليبِ الأحمرِ المصريِّ لتمويلِ جهودِ الإغاثَةِ في المِنطَقَةِ».
والشاهدُ هنا ليسَ المزايدَةَ مِنْ أجلِ محمدِ صلاحٍ، بلْ إيضاحُ الطريقِ المضيءِ للأجيالِ والمحبّينَ لأسطورَتِهِمُ المصريَّةِ الشابَّةِ، والأخذُ بأيديهِمْ، لأنَّهُم لم ينخدِعوا بأصواتِ خفافيشِ الظلامِ التي عجزتْ عنْ تشويهِ مصرَ مِن قبلُ، وعجزتْ في محاولاتِها البائسَةِ عنْ تشويهِ هذا المثالِ المصريِّ الحضاريِّ، المُتمثِّلِ في أسطورَةِ الشبابِ والعصرِ الحديثِ: محمدِ صلاحٍ.