مسام النباتات المعدلة وراثيا.. هل تساعد في حماية المحاصيل الزراعية من خطر الجفاف؟

15-12-2025 | 14:25
مسام النباتات المعدلة وراثيا هل تساعد في حماية المحاصيل الزراعية من خطر الجفاف؟نظام ري يستخدمه الباحثون لدراسة كيفية استجابة المحاصيل لتغيرات إمدادات المياه
الألمانية

ربما لا يكون بمقدورك أن تراها بالعين المجردة، ولكن المسام تلعب دورا حيويا بالغ الأهمية بالنسبة للنباتات، فهي عبارة عن فتحات دقيقة على أوراق وسيقان النبات تستخدم لطرد وامتصاص الغازات، في عملية بيولوجية ضرورية للبقاء على قيد الحياة.

موضوعات مقترحة

فعن طريق الانفتاح والانغلاق، تسمح المسام بدخول ثاني أكسيد الكربون اللازم لعملية التمثيل الضوئي من أجل إنتاج المواد العضوية التي يتغذى عليها النبات ثم خروج غاز الأكسجين، وهو من نواتج تلك العملية الكيميائية المركبة، وانبعاث بخار الماء أيضا، والذي يقوم بتبريد سطح الورقة ويحرك عملية فيزيائية بغرض سحب الماء من التربة عبر جذور النبات.

المسام مشكلة تهدد النباتات

ولكن في ظل ارتفاع درجة حرارة الأرض وزيادة وتيرة موجات الجفاف، قد تصبح المسام مشكلة تهدد النباتات وتقلل قدرتها على تحمل الحرارة. ويصف علماء النبات هذه المشكلة بأنها ميزان دقيق ما بين فتح المسام للسماح بإجراء التمثيل الضوئي لإنتاج المواد السكرية، وبين إغلاقها للحفاظ على المياه وعدم إهدارها. ولهذا السبب، يعكف كثير من الباحثين والمتخصصين على دراسة هذه المسام بهدف التوصل إلى أفضل السبل للتحكم فيها من أجل ابتكار سلالات من المحاصيل أكثر قدرة على تحمل الجفاف والظروف الجوية القاسية.

ويقول الباحث أندرو ليكي المتخصص في علم وظائف النبات بجامعة إلينوي أوربانا الأمريكية في تصريحات لموقع Knowable Magazine المتخصص في الأبحاث العلمية إن "المياه هي العقبة الأولى أمام الإنتاج الزراعي على مستوى العالم، ولقد ازدادت خطورة هذه المشكلة في الآونة الأخيرة مع تغير المناخ".

ورغم أن عملية التمثيل الضوئي تتطلب بقاء المسام مفتوحة لفترة من الوقت تسمح بدخول كمية كافية من ثاني أكسيد الكربون، فقد توصل العلماء إلى وجود فروق كبيرة بين أنواع النباتات المختلفة من حيث كمية بخار الماء الذي ينبعث منها خلال نفس العملية، ووجدت دراسة أجريت عام 2024 أن مسام نبات السورجوم، وهو نوع من الحبوب التي تستخدم كعلف للماشية، تنفتح لبرهة من الوقت تكفي فقط لدخول الكمية اللازمة من ثاني أكسيد الكربون ثم تنغلق بعد ذلك مباشرة.

وتعلق الباحثة تريسي لوسون من جامعة إلينوي أوربانا على هذه الملاحظة قائلة: "لم يسبق لي أن رأيت مثل هذه العلاقة الوثيقة بين سائر فصائل النباتات التي تناولتها بالدراسة من قبل". وأعربت عن أملها في إمكانية سبر أغوار هذه الآلية بحيث يمكن الاستفادة منها في تحسين الصفات الوراثية للمحاصيل التي تعاني من مشكلات العطش والجفاف.

تجربة فول الصويا

وفي بادئ الأمر، كان بعض علماء النبات يشعرون بالتفاؤل من أن زيادة معدلات ثاني أكسيد الكربون في الهواء، الذي ارتفع من 280 إلى 422 جزءا من المليون، بفعل عوامل التلوث منذ فترة الثورة الصناعية، سيؤدي إلى تراجع كمية الفاقد من المياه لأن النبات لن يحتاج إلى فتح المسام لفترة طويلة لامتصاص الغاز نظرا لوفرته في الغلاف الجوي.

وشرع أندرو ليكي وفريقه في اختبار هذه الفرضية، حيث وضعوا حول حقل لفول الصويا شبكة من الانابيب لنفث ثاني أكسيد الكربون يتم التحكم فيها عن طريق الكمبيوتر، وكان يتم ضخ كمية من الغاز تعادل ما بين 550 و585 جزءا من المليون.

وبعد اختبارات دامت قرابة ثماني سنوات، شملت في بعض الأحيان تعريض المحصول لظروف مناخية تشبه موجات الجفاف، وجد الباحثون أن فترات انفتاح المسام لدى نبات فول الصويا تراجعت بالفعل في ضوء زيادة كمية ثاني أكسيد الكربون في الجو مع تقليل الفاقد في بخار الماء وزيادة فعالية التمثيل الضوئي، وترتب على هذه التجربة في النهاية زيادة المحصول بنسبة تتراوح ما بين 20% إلى 25%.

ولكن المشكلة تكمن في أنه عند تعريض النبات لظروف الجفاف مع وفرة ثاني أكسيد الكربون، كان فول الصويا ينمو بسرعة أكبر وبالتالي يحتاج كمية أكبر من المياه خلال مراحل النمو، وهو ما يدل على أنه لا يمكن الاعتماد على زيادة ثاني أكسيد الكربون في الجو كوسيلة لزيادة فعالية تعامل المحاصيل الزراعية مع مشكلة فقد المياه، لاسيما في ضوء زيادة موجات الجفاف في العالم.

وعمد الباحثون إلى تجربة خفض عدد المسام على سطح أوراق النبات عن طريق علوم الهندسة الوراثية كمحاولة لتحسين كفاءة المحاصيل في التعامل مع مشكلة العطش، ونجح ليكي وفريقه بالفعل في تقليل عدد المسام عن طريق زيادة نشاط جين يحمل اسم EPF 1، وهو الذي يتحكم في عدد المسام في الاوراق. واستطاع الفريق البحثي استنباط سلالات نباتية ذات مسام أقل وأكثر كفاءة في التعامل مع فقد المياه.

واعلن الباحثون أن عدد المسام في سلالات نبات السورجوم المعدلة وراثيا تراجع بنسبة تتراوح ما بين 30 و60 بالمئة، هو ما يكفي لتقليل الفاقد من المياه بنسبة تتراوح ما بين 30 إلى 34 بالمئة دون التأثير على نمو النبات أو كفاءة عملية التمثيل الضوئي.

لكن عند تكرار التجربة في محاصيل أخرى مثل قصب السكر، وجد الباحثون أن المسام القليلة المتبقية على أوراق النبات كانت تتسع بشكل غير معتاد مما يؤدي إلى إهدار أي فرص لتقليل الفاقد من المياه.

وتوصل الباحثون إلى أن هذه الظاهرة تعتبر شائعة بين عشرة أنواع محاصيل مختلفة تم وضعها تحت الاختبار ومن بينها القمح والذرة، وخلصوا إلى أنه بالرغم من أن خفض عدد المسام يؤدي بالفعل إلى تقليل الفاقد من المياه، فإن كمية الوفر جاءت أقل من مستوى التوقعات.

ومن جانبه، يرى الباحث فرانسوا ترودو من المعهد الوطني الفرنسي للبحوث الزراعية والمتخصص في الذرة أن هذه المعرفة يمكن أن تستخدم لاحقا في التنبؤ بتأثير التحكم في مسام النبات في تحسين جودة المحاصيل الزراعية سواء في ظروف المناخ التقليدية أو في حالات الطقس المتطرف أو الجفاف، وأكد في تصريحات لموقع Knowable Magazine أنه "إذا كنا نريد الاستعداد لمواجهة تغير المناخ، فمن الأجدر أن نقوم بتغيير أساليب البحث التي نقوم بها".

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: