حكايات من الواقع: "صبر عظيم.. ونور تشرق معه روحى"

15-12-2025 | 13:46
حكايات من الواقع  صبر عظيم ونور تشرق معه روحى أرشيفية
خالد حسن النقيب

شيء من أمل يسكن قلبي، لعله إحساس أخير أتعايش به مع الأيام قبل أن تغادرني، أبحث به عن زمن مضى طويلاً حتى هرم قلبي معه حرمانًا وشوقًا لقطعة مني انتزعها القدر قسوة وتجبرًا قبل أكثر من خمس وعشرين عامًا..!

موضوعات مقترحة

وقتها كنت في منتصف العقد الثالث من عمري، أعيش أطلال تجربة إنسانية صعبة بدأت بعاطفة جميلة وانتهت بزواج فاشل اعتركته الأيام سريعًا وخرجت منه بعد أقل من عامين وأنا موصومة بالنقص والعجز عن أن أكون أمًا. أجل، غادرني زوجي وقتها أملاً في أن يكون أبًا من غيري، وفشلت مشاعرنا في أن تقنعه بالصبر على حالنا، وأن الولد رزق من عند الله يرزقه من يشاء ويجعل من يشاء عقيمًا.

انتهت حياتي معه وعدت للعيش مع أمي التي لم يكن لها غيري، فأنا ابنتها الوحيدة وسندها في الحياة بعد وفاة والدي، ومرت الأيام ثقيلة سهاد ليلها تضن على وسائدها بالنوم ضيقًا ويأسًا حتى التقيت بشاب كان تعارفي به في إطار أسري، فله بأمي صلة قرابة بعيدة، وفوجئنا به يأتينا يومًا بمبلغ من المال يقول إنه نصيبنا في ميراث عائلي من قطعة أرض مشاع تم بيعها وتقسيم ثمنها.

في البداية كانت علاقتنا تبدو عادية، إلا أن حضوره وشخصيته الودودة كان لهما تأثير غريب عليَّ، فقد هجرت سهادي وحيرتي وتسرب اليأس مني لأمل جديد انغرست بذوره في قلبي وانشغلت له نفسي. أيقنت مع الوقت أني أحبه بكل جوارحي وأنتظر زيارته لنا كل أسبوع كما اعتاد المجيء، ولم يكن يشقيني غير خوفي من أن لا يبادلني حبًا بحب أو أن يكون مرتبطًا بأخرى. ولكن مشاعره التي كان يصدرها لي في ود وحنان لم تكن غير أحاسيس رجل اعتبر نفسه مسؤولاً عن امرأتين من عائلته لا رجل لهما ولا عائل. ولم تدم حيرتي طويلاً فقد بدد القدر خوف نفسي في لحظات كانت ملؤها التوتر والقلق على أمي التي أوقعها المرض، ولم أجد غيره يغيثني ويصحبنا إلى المستشفى. في الوقت الذي كانت فيه أمي تعبر أزمة صحية صعبة كان هو يعبر خجله وحيائه ويخبرني بمشاعر كتمها في نفسه طويلاً ولم يعد قادرًا على إخفائها وطلب مني الزواج تتويجًا لهذه الأحاسيس..!

أرجأت ردي متحججة بظروف أمي الصحية، ولكن في حقيقة الأمر كنت في حاجة لأن أستجمع شتات نفسي وأستوعب ما سمعته منه. بضع أيام مضت وكأنها لم تمضِ بالزمن بضع دقائق، خرجت خلالها أمي من المستشفى وارتميت في حضنها أبكي مشاعري وخوفي من ضياعها، فقد اجتاحني هاجس زلزل كياني أني امرأة لا تصلح للحب أو للزواج، وأن الأقدار كتبت عليَّ أن أعيش رهن تعاستي ما امتد بي العمر حتى أفارق الدنيا، فأنا امرأة عاقر لا ذرية لها، وأي رجل يمكنه أن يربط حياته بامرأة لا عَقِب لها..!

ولكن أمي أراحتني بكلمة كانت فاصلاً بين ظلام استقر فيَّ ونور أشرقت روحي معه، قالت: "النصيب غلاب يا بنتي"، وبالفعل غالبت مشاعر اليأس فيَّ وأجبت حبيبي طلبه، ولكن بعد أن أخبرته بحقيقة أنوثتي المنتقصة، فما كان منه إلا أن قال لي: "دعي الأمل ينمو في داخلك يقينًا وإيمانًا بقدرة الله عز وجل تدب الحياة في أحشائك نبت خير بقدرته سبحانه وتعالى". وأتممنا الزواج، لا تَسعني دنياي الجديدة سعادة وحبًا، وكأن الله سبحانه وتعالى كافأني لصبري واحتسابي حياتي السابقة وما عشت فيها من ألم وعذاب، وكان فضل الله بي عظيمًا عندما تحقق الحلم المستحيل ودبت الروح في أحشائي وليدًا وُلدت معه روحًا جديدة تعرف الدنيا لأول مرة، أمًا لم يكن لها في يوم من الأيام أن تحلم بهذه النعمة يختصها بها الله، ولكنها قدرته عز وجل..!

تلونت حياتي ببهجة الصغير أتى إلى الدنيا من أجلي، دعوة دعوت الله بها في جوف الليل منكسرة ذليلة طريدة من حياة الرجال لأني أرض بور، وها هي الأرض قد خُصِّبت وأثمرت براءة هي الحلم بات واقعًا.

كنت وزوجي نبذل الحب جهدًا متواصلاً لرعاية ابننا تربية وتعليمًا وحنانًا يلطف من حوله قسوة الحياة حتى كبر شابًا يافعًا، نضرة القوة تملأ وجهه وبدنه، متفوقًا في دراسته الجامعية حتى تخرج في الجامعة وكان من العشرة الأوائل ما أهله للسفر في بعثة للخارج. وبقدر الشيب يملأ رأسي رجوته أن لا يغادرني فهو سندي الوحيد في الدنيا، فقد رحلت أمي من زمن ورحل زوجي منذ أعوام قبل أن يفرح بنجاحه ولم يعد لي أحد غيره، ولكن طموحه ورغبته في السفر كانا أكبر من توسلات شيبي وهرمي..!

مضى عني يلهث وراء أحلامه، يظلله الدعاء مني ويحميه من شر الطريق، وبقيت ووحدتي أستعذب الصبر اشتياقًا وقلقًا لا يروي عطش قلبي غير اتصال يجريه معي ابني كل أسبوع أستمد منه رحيق الحياة، وزيارة لا تتجاوز شهرًا يقضيها معي كل عام. وعام بعد عام أخذت المكالمات والزيارات تتناقص، فقد انشغل بحياته في بلد مهجره واشتغل وتزوج هناك حتى دون أن يمنحني فرحة عمري بيوم زواجه ولا أن ترتسم السعادة على وجهي بقدوم أول حفيد لي..!

لست ناقمة عليه، بل أدعو له بالسعادة في حياته، ولكنه لم يكلمني أو يأتِ إليَّ منذ فترة طويلة فزوجته لا تحب المجيء إلى هنا. ولكني أعيش على أمل ينتظر مقدمه يومًا وكل ما أخشاه أن تخرج الروح مني دون أن ألقاه ويرتوي قلبي به. لن أقنط من رحمة ربي الذي وهبني الله إياه بعد عجز، أن يمنحني فضل رؤيته قبل الرحيل.

م. ت. م. القاهرة

ما أقسى ما مررت به سيدتي على مدار مشوار حياتك، ولعل معنى الصبر المجرد لهو عنوان تاريخك مع الدنيا احتسابًا وإيمانًا. ولأن قلبك عامر بالإيمان الصادق واليقين بحكمة المولى عز وجل في كل مقدراته، كانت إرادتك أقوى من كل الصعاب، وانتصرت على سياج اليأس الذي ساور أيامك فحطمته صبرًا وقوة. وبعد أن أدمى القدر أقدامك في مستهل العمر، امتد الطريق أمامك وثيرًا زاهرًا ظللته أغصان الحب يطرق باب قلبك من رجل كريم هو العوض والسند، وطفل كان هبة من رب العزة نتاج صبرك وتدليلاً على قدرة الله ورحمته، الذي بدل العجز بأسباب قدرته وليدًا كبر وبات رجلاً يملأ الدنيا بشبابه. ولعله في رأيي كان عليك أن تمري باختبار أخير لهذا الصبر العظيم والإيمان الراسخ في قلبك، الذي لم يحتمل غياب الابن الوحيد. ولست معك في افتراض عقوقه وغدر ابتعاده وجفائه، فلكل ظروفه في الدنيا لا يعلمها إلا الله، ولكن دعيني أقول لكِ: ألم يكن يسرك أن تريه ناجحًا في حياته؟ أليست سعادته من سعادتك؟

ربما أخذته الغربة شيئًا ما، ولكنه سوف يعود لرشده حتمًا، فبالتأكيد أقمت أنتِ وأبوه على تربيته تربية صالحة، ولعله يدرك قول الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (لقمان: 14-15).

وما جاء في الآية 15 من سورة الأحقاف عندما قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا}.

ومن هنا ندرك قيمة الأم التي حملت كرهًا، ولكنها عاشت من أجله عمرًا، ألا يحق لها بِرُّها والتماس رضاها؟ ولسوف يعي ابنك هذا، ولسوف يأتيك حتمًا وتريه حلمًا واقعًا، فلا تيأسي من عودته أو من رحمة الله.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: