في مثل هذا اليوم من عام 1956، سجل ميلاد أسطورة الفداء في بورسعيد على حساب حياة أشرس ضباط المخابرات البريطانية، فتى لم يكمل الثامنة عشرة، حول رغيف خبز بسيط إلى سلاح استراتيجي أنهى حياة الميجور "ويليامز" وأجبر العدوان الثلاثي على العد التنازلي للانسحاب.
موضوعات مقترحة
عسران الفدائي الذي غير وجه بورسعيد
ابنة الفدائي البطل السيدة آمال السيد عسران، تفتخر باحتفالات محافظة بورسعيد بعيدها القومي لبطولات لا يمحوها التاريخ، حيث دونت على صفحتها الشخصية على الفيس بوك قصتها مع "القاتل النبيل" بعدما اكتشفت وبالمصادفة قصته في كتاب مدرسي وهي فيه الصف الثالث الابتدائي، وتبين أن تلك القصة تحمل اسم والدها، وعند عودتها من المدرسة واجهت والدها البطل الفدائي، فتبسم لها قائلًا: "صحيح؟"، قصة بطل عاش ومات متواضعاً، لكن فعلته ظلت صدى لصوت المقاومة الوطنية التي انتصرت بالإرادة والإبداع.
عسران الفدائي الذي غير وجه بورسعيد
ففي الرابع عشر من ديسمبر من كل عام، لا تتوقف بورسعيد عن استحضار سيرة بطلها "الفتى الأسمر البسيط" كما وصفه الأبنودي، الفدائي السيد عسران، الذي لم يجد طريقة للاقتصاص لروح شقيقه الذي سحقته جنازير دبابات العدوان، ولأمه التي رحلت قبل شهور من العام القاسي، سوى بالقيام بعملية اغتيال هزت قيادة الاحتلال وأرخت الستار على أشد فصول العدوان وحصار بورسعيد.
عسران الفدائي الذي غير وجه بورسعيد
✨
لغز العبقرية.. كيف خطط الفتى؟
ما زالت العملية التي نفذها الفتى عسران في ذلك الصباح من عام 1956، تستدعي الدهشة والتفكير في عبقريتها التخطيطية. كان المستهدف هو الميجور وليامز، مسؤول المخابرات البريطانية، اليد الطولى للاحتلال في تعذيب واعتقال أهل بورسعيد.
عسران الفدائي الذي غير وجه بورسعيد
وبدلًا من المواجهة المباشرة أو استخدام الأسلوب التقليدي، خطرت للفتى فكرة "رغيف العيش"، الفكرة الجهنمية التي خلدها فنانو السمسمية بعبارتهم: "عسران يا اسم باقي هيعيش .. حط القنبلة في رغيف العيش"، تلك الفكرة تثير التساؤلات حتى اليوم: كيف نجح في التظاهر بقضم رغيفه الملغوم دون أن يثير الشك؟، هل تردد الفتى الذي لم يبلغ الثامنة عشرة؟، هل أخذ في حسبانه احتمال ألا يعود إلى بيته حيًا؟
عسران الفدائي الذي غير وجه بورسعيد
لقد كان لـ "عسران" هدف واحد، هو تصفية أشرس رجال العدوان، فبعد أن فقد الأم والأخ في غضون عام واحد، امتزج همه الخاص بهمه العام، وبدأ رحلته في المقاومة بقنابل "مايلز 36" التي حصل عليها.
عسران الفدائي الذي غير وجه بورسعيد
تفاصيل العملية القاتلة النبيلة
لم تكن عملية وليامز هي الأولى للفتى المقاوم، فقد سبقها محاولات جريئة منها: التمويه في دور عامل نظافة لإلقاء قنبلة على تمركز للجنود بمنطقة وابور النور، و دحرجة قنبلة من زاوية بشارع كسرى لإصابة ضابط وجنديين فرنسيين.
عملية وليامز كانت حاسمة
من ناحية الترصد، نجح الفتي عسران فيه رصد سيارة وليامز أمام مبنى البحث الجنائي في شارع رمسيس والنهضة، فسوي له فخاً، حيث وضع القنبلة المجهزة للانفجار داخل رغيف خبز، نفذ خديعته فوقف على الناصية الأخرى، متظاهرًا بأنه يقضم الخبز.
وعندما ركب وليامز سيارته، نادى عليه عسران وأشار إليه بورقة صغيرة، موهماً إياه بأنها قد تحوي معلومات عن فدائيين مطلوبين، وكان وليامز على وشك القبض على فدائيي عملية خطف مورهاوس، واحن وقت التنفيذ عندما طلب وليامز الورقة، اقترب عسران وتعمد رميها في دواسة السيارة، وعندما انحنى الضابط البريطاني لالتقاطها، كانت هذه هي اللحظة القاتلة. أسرع عسران بقذف القنبلة داخل السيارة وفر هارباً.
انفجرت القنبلة، وأصيب وليامز إصابات قاتلة أودت بحياته، وكما وصفته أغاني السمسمية: "كفن وليامز جوه التربة خدوه أشلاء من كومة نار".
جاءت هذه العملية لتكون القشة التي قصمت ظهر العدوان، كانت نتائجها فورية وملموسة، حيث تم فك الحصار عن حي العرب وحي المناخ، وانهار معها حظر التجوال، وبدء فرحة الأهالي بفتح محالهم، مما استدعي الإنجليز بالتسريع بخطوات الانسحاب الكامل من المدينة في 22 ديسمبر 1956.