التسخينُ الأمريكيُّ معَ الصومالِ يلفتُنا إلى عاملينِ مترابطينِ. الأولُ: رغبةُ الرئيسِ ترامبَ وأهواؤهُ المتغيِّرةُ، والثاني: الإستراتيجيةُ الأمريكيةُ الحاليةُ، ليسَ في الصومالِ فحسبُ، وإنما في العالمِ. وبالنسبةِ لرغبةِ الرئيسِ ترامبَ، فهي للأسفِ، وككثيرٍ من رغباتِه، محضُ "شخصنةٍ" معَ النائبةِ الصوماليةِ الأصلِ إلهان عمر. وهي المنتميةُ للحزبِ الديمقراطيِّ، والذي لا يتركُ الرئيسُ مناسبةً من دونِ أن يسخرَ من قادتِهِ، ومن أفكارِهم، وممارساتِهم، خصوصًا عندما كانوا في السلطةِ.
أما عنِ النائبةِ الديمقراطيةِ إلهان عمر، وهي أولُ أمريكيةٍ من أصلٍ صوماليٍّ تُنتخبُ لعضويةِ الكونجرسِ، فإنَّهُ يهاجمُها كلما سنحتِ الفرصةُ، ويستكملُ هجومَهُ في خطابٍ في ولايةِ مينيسوتا أخيرًا، حيثُ قالَ: "أحب إلهان عمر هذه، مهما كان اسمها، ذات العمامة الصغيرة (يقصد الحجاب)، أحبها، لا تفعل شيئًا سوى التذمر، إنها دائمًا ما تشتكي". (في مسرحيةِ شكسبيرَ "يوليوس قيصر" قالَ "بروتس" أمامَ الحشدِ: أنا أحبُّ قيصرَ لكنَّني أحبُّ روما أكثرَ، ثمَّ شاركَ في طعنِ قيصرَ حتى الموتِ).
وطوَّرَ ترامبُ الهجومَ ليطالَ بلدَها الأصليَّ، واصفًا الصومالَ بـ"أسوأ دولة في العالم"، واستكملَ سيلَ الإهاناتِ عنِ الصومالِ: "لا تملك جيشًا، وليس لديهم برلمان، هم لا يفهمون معنى كلمة برلمان، ليس لديهم شيء، لا توجد شرطة، إنهم يراقبون أنفسهم، يقتلون بعضهم بعضًا طوال الوقت".
وبعدَ أن سخَّنَ الحشدَ في ساحةِ مينيسوتا، عادَ للنائبةِ عمرَ قائلًا: إنَّ على إدارتِهِ أن تُخرجَها منَ الولاياتِ المتحدةِ فورًا، فهتفَ الحشدُ: "أعيدوها إلى بلدها". والحمدُ للهِ لم يقولُوا اقتلوها فورًا. ولكنْ هل يضمنُ أحدٌ ألا يقومَ مهووسونَ بترامبَ بإيذائِها والتعرُّضِ للصوماليينَ كافةً في أمريكا؟
ويعملُ ترامبُ معَ جَوْقةٍ شبهِ متناغمةٍ، فبعدَ خطابِهِ اتَّهمَ صديقُهُ المليارديرُ أيلون ماسك النائبةَ عمرَ بالخيانةِ العظمى؛ لأنها تتعهَّدُ بحمايةِ مصالحِ الصوماليينَ في أمريكا. بينما الأمريكيونَ اليهودُ يدعمونَ إسرائيلَ بالمالِ والسلاحِ، ومعظمُ الجالياتِ الأجنبيةِ في الولاياتِ المتحدةِ يشكِّلونَ لوبياتٍ لحمايةِ مصالحِ أبناءِ الجاليةِ، كما شنَّتِ المنصاتُ التابعةُ الهجومَ على نفسِ النغماتِ.
واعتبرتْ إلهان عمر (اسمُها يعني الفصاحةَ) تركيزَ ترامبَ عليها ـ كما قالتْ لشبكةِ سي إن إن: "هوس ترامب بي أمرٌ غريبٌ للغاية. إنه بحاجة إلى مساعدة جدية. وبما أنه لا يملك أي سياسات اقتصادية يتباهى بها، فإنه يلجأ إلى ترديد أكاذيب متعصبة". ووصفتْ ترامبَ بأنهُ "عارٌ على الأمةِ" وإنها "غيرُ متفاجئةٍ" بخطابِ ترامبَ ضدَّها وضدَّ الصوماليينَ الآخرينَ لأنهُ "يحاول التهرب من المسئولية عن إخفاقاته الفعلية" بـ"اللجوء في كثير من الأحيان إلى خطاب متعصب ومعاد للأجانب والإسلاموفوبيا والعنصرية".
والغريبُ أنَّ الشحنَ ضدَّ الصوماليينَ ليسَ لهُ علاقةٌ بإطلاقِ النارِ الأخيرِ على أفرادِ الحرسِ الوطنيِّ في واشنطن، فمُطلِقُ النارِ مهاجرٌ أفغانيٌّ، لكنَّ الرئيسَ قرَّرَ الهجومَ على الصومالِ، رغمَ بُعدِ المسافةِ بينهما. لأنهُ أرادَ في الأساسِ النائبةَ الديمقراطيةَ عمرَ ليصيبَ الديمقراطيينَ وليردَّ عليها؛ لأنهُ لا ينسى ثأرَهُ، خصوصًا معَ الضعفاءِ.
وكانتْ عمرُ تقفُ معَ الرئيسِ جو بايدن في انتخاباتِ ٢٠٢٠ التي خسرَها ترامبُ، والذي هاجمته بشدة أثناءَ حملتِهِ الانتخابيةِ الأخيرةِ ووصفته بأنهُ يمثل تهديدًا وجوديًا للديمقراطيةِ الأمريكيةِ.
وإذا كانتِ الجاليةُ الصوماليةُ في أمريكا تُعدُّ أقليةً وسطَ جاليةٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ أوسعَ، فإنَّنا لم نسمعْ صوتَ العربِ والمسلمينَ في هذهِ المعركةِ بينَ الرئيسِ والنائبةِ، والأسوأُ أنَّ زملاءَ لعمر في الكونجرسِ آثرُوا الصمتَ والسلامةَ، ولم يدافعوا عنها ضد هذه الهجمات مكتفين بالخضوع لترامب.
كما لم تتحرَّكْ جامعةُ الدولِ العربيةِ، أو منظمةُ المؤتمرِ الإسلاميِّ، ولو ببيانٍ رافضٍ لوصفِ الرئيسِ المسيءِ للصومالِ، ولا بأسَ ببيانِ وزيرِ الدفاعِ الصوماليِّ أحمد مُعلّم فقي، والذي أكدَ أنَّ الصوماليينَ لن يقبلُوا بالتقليلِ من قدرِهم، وإنَّ على ترامبَ التركيزَ على الوفاءِ بتعهُّداتِهِ للناخبينَ الأمريكيينَ "بدلا من الانشغال بالصومال". رافضًا الأوصافَ التي أطلقَها ترامبُ على الصوماليينَ، قائلًا: "ماذا يملكُ أن يفعلَ أكثرَ من ذلكَ؟ ولكنْ هذا حالُ الضعفاءِ".
أما العاملُ الثاني فيخصُّ الصومالَ، ونعرفُ أنَّهُ بعدَ حادثِ إطلاقِ النارِ على الحرسِ الوطنيِّ في واشنطن خرجتْ عشرُ دولٍ دفعةً واحدةً من بابِ الحلمِ الأمريكيِّ.
ورغمَ فارقِ القوةِ المُفرِطِ بينَ الصومالِ وأمريكا، فإنَّ العلاقةَ قديمةٌ وغيرُ وديةٍ في أغلبِ الأحيانِ. فقد تدخلتْ عسكريًا في بدايةِ التسعينياتِ في عهدِ الرئيسِ "الجمهوريِّ" جورج بوش الأب بـ"عمليةِ استعادةِ الأملِ" بدعوى مواجهةِ المجاعةِ والحربِ الأهليةِ و"التدخلِ الإنسانيِّ"، كما عُرِفتْ وقتذاكَ، وهي العمليةُ الفاشلةُ التي انتهتْ بعدَ أشهرٍ معدوداتٍ بانسحابِ القواتِ الأمريكيةِ.
يكشفُ هجومُ ترامبَ على الصومالِ، بخلافِ مزاجِهِ الكارهِ للأجانبِ، صراعًا على الوجودِ العسكريِّ لدولٍ عدةٍ ترغبُ في الساحلِ الصوماليِّ الطويلِ، وتودُّ إنشاءَ قواعدَ بحريةٍ وعسكريةٍ في هذا البلدِ، الذي مزَّقتْهُ الحربُ الأهليةُ والفوضى طوالَ سنواتٍ. فالصينُ وروسيا يرغبانِ في الساحل الصومالي، بخلافِ قاعدةٍ تركيةٍ وأُخرى أمريكيةٍ موجودتانِ بالفعلِ.