نحن نأكل ونشرب البلاستيك!!

15-12-2025 | 14:06

تحت هذا العنوان، كتبتُ من ذي قبلُ، وأُعاودُ الكرَّةَ من جديدٍ؛ لأنَّ الموضوعَ جدُّ خطيرٍ. فالبلاستيكُ اقتحمَ حياتَنا وصارَ جزءًا خفيًا من طعامِنا وشرابِنا. قد لا تشعرُ بذلك، ولا تراهُ بعينيكَ، لكنَّ الحقيقةَ المُقلقةَ هي أنَّكَ تأكلُ وتشربُ البلاستيكَ كلَّ يومٍ.

تخيَّلْ أنَّكَ تحتسي كوبَ شايٍ ساخنٍ في طريقِكَ إلى العملِ، أو ترتشفُ ماءً من زجاجةٍ بلاستيكيةٍ دونَ أن تُفكرَ في الأمرِ. فكلُّ رشفةٍ صغيرةٍ قد تحملُ معها آلافَ الجزيئاتِ البلاستيكيةِ الدقيقةِ التي تتسلَّلُ بصمتٍ إلى جسدِكَ. ومعَ كلِّ وجبةٍ وكلِّ مشروبٍ، هذهِ الجزيئاتُ تتراكمُ ببطءٍ، صامتةً، دونَ طعمٍ، دونَ رائحةٍ، ودونَ أيِّ إنذارٍ مبكِّرٍ، لتصبحَ جزءًا من حياتِكَ اليوميةِ بطريقةٍ لا تراها ولا تشعرُ بها.

أكثرُ المصادرِ شيوعًا لهذهِ الجزيئاتِ هي زجاجاتُ المياهِ البلاستيكيةِ، وأكوابُ الشايِ الورقيةِ المُبطَّنةِ بالبلاستيكِ، والتي ازدادَ الإقبالُ عليها بعدَ وباءِ كورونا، والأطعمةُ المعلَّبةُ والمأكولاتُ البحريةُ. ولا يقتصرُ الأمرُ على المشروباتِ والأطعمةِ، فحتى أكياسُ التسوُّقِ البلاستيكيةُ، التي تُستخدمُ كلَّ يومٍ بلا وعيٍ، تُطلقُ جزيئاتٍ دقيقةً يمكنُ أن تنتقلَ إلى الطعامِ أو الهواءِ، وتصبحَ جزءًا من أجسامِنا معَ مرورِ الوقتِ. والخطيرُ في الأمرِ أنَّ التوسعَ غيرَ المبرَّرِ في استخدامِ هذهِ الأكياسِ يجعلُ المخاطرَ الصحيةَ تتزايدُ بشكلٍ خطيرٍ ومرعبٍ، خاصةً معَ تعرُّضِها للشمسِ أو الحرارةِ.

تشيرُ الدراساتُ العلميةُ إلى أنَّ الإنسانَ العاديَّ يبتلعُ ما بينَ ٧٤ إلى ١٢١ ألفَ جزيءٍ من البلاستيكِ الدقيقِ سنويًا، وقد رصدتِ الدِّراساتُ العلميةُ هذهِ الجزيئاتِ حتى في مجرى الدمِ والمشيمةِ وحليبِ الأمِّ. الخطرُ لا يقتصرُ على تراكمِ البلاستيكِ فحسبُ، بل يشملُ أيضًا الموادَّ الكيميائيةَ المصاحبةَ لهُ، المرتبطةَ باضطراباتٍ هرمونيةٍ ومشاكلَ في الخصوبةِ وتأخُّرِ النموِّ عندَ الأطفالِ، وربما بعضَ أمراضِ القلبِ وأنواعٍ معينةٍ من السرطانِ.

ولِنَزدادَ إدراكًا لحجمِ المشكلةِ، تشيرُ الإحصاءاتُ إلى أنَّ العالمَ ينتجُ حوالي ٣٩٠ مليونَ طنٍّ من البلاستيكِ سنويًا، ويُستخدمُ أكثرُ من ٥٠٠ مليارِ كيسٍ بلاستيكيٍّ حولَ العالمِ، بالإضافةِ إلى ملايينِ أكوابِ الشايِ والقهوةِ البلاستيكيةِ يوميًا في المدنِ الكبرى. هذهِ الأرقامُ المذهلةُ تعكسُ حجمَ البلاستيكِ الذي يتسلَّلُ بصمتٍ إلى حياتِنا اليوميةِ وأجسامِنا، حتى وإنْ لم نَرَهُ أو نشعرْ بهِ.

الحقيقةُ المُطمئنةُ هي أنَّ هناكَ بدائلَ بسيطةً وفعَّالةً لتقليلِ دخولِ البلاستيكِ إلى أجسامِنا. يمكنُ استبدالُ قواريرِ المياهِ البلاستيكيةِ بزجاجٍ أو فولاذٍ مقاومٍ للصدأِ، واستخدامُ أكوابٍ زجاجيةٍ أو سيراميكيةٍ للسوائلِ الساخنةِ، والتقليلُ من الأطعمةِ والمشروباتِ المعلَّبةِ، واعتمادُ أكياسٍ قابلةٍ لإعادةِ الاستخدامِ بدلَ البلاستيكيةِ اليوميةِ، معَ الحرصِ على الحدِّ من التوسُّعِ في استخدامِها بشكلٍ عشوائيٍّ.

فالبلاستيكُ لم يعدْ مجرَّدَ مشكلةٍ بيئيةٍ نراها فقط في صُوَرِ الأحياءِ البحريةِ المُختنقةِ، بل أصبحَ جزءًا صامتًا من وجباتِنا وحياتِنا اليوميةِ وصورةً مؤلمةً في مخلَّفاتِ القمامةِ.

ومعَ استمرارِ الدراساتِ العلميةِ، يظلُّ الحلُّ الأكثرُ فعاليةً هو الوعيُ الشخصيُّ والخياراتُ اليوميةُ الحكيمةُ، فكلُّ خطوةٍ صغيرةٍ نحو تقليلِ البلاستيكِ تحمي أجسامَنا، وتُساهمُ في صحةٍ أفضلَ للأجيالِ القادمةِ، وتَحُدُّ من الخطرِ الصامتِ الذي يُرافِقُ استخدامَ كلِّ كيسٍ أو كوبٍ بلاستيكيٍّ بدونِ تفكيرٍ.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة