حلول التمويل في الرياض

14-12-2025 | 13:15

الاقتصادُ العالميُّ يمرُّ بتطوراتٍ متسارعةٍ يُتوقعُ أن تُعيدَ رسمَ خريطةِ العالمِ عبرَ بزوغِ قوىً اقتصاديةٍ جديدةٍ وأفولِ أُخرى بفعلِ الارتداداتِ العنيفةِ المتوقعةِ والتداعياتِ الكبرى المرتقبةِ. لا شكَّ أنَّ ثورةَ الذكاء الاصطناعي التي تتسارعُ بوتيرةٍ مخيفةٍ ستلعبُ دورًا محوريًا في تحديدِ شكلِ الاقتصادِ الجديدِ الذي يلوحُ في الأفقِ، حيثُ تؤكدُ كلُّ المؤشراتِ أنَّ هذه التكنولوجيا ستكونُ المحرِّكَ الأساسيَّ للاقتصادياتِ في العالم.

فقد شاركتُ قبلَ أيامٍ في المؤتمرِ الدوليِّ لتمويلِ التنميةِ الذي عُقدَ بالرياضِ ونظَّمهُ الصندوقُ الوطنيُّ للتنميةِ، حيثُ تابعتُ عن كثبٍ هواجسَ الخبراءِ ورؤى الوزراءِ لمواجهةِ ما هو قادمٌ، وسبلَ تدبيرِ التمويلاتِ اللازمةِ لتحصينِ اقتصادياتِ الدولِ من أيةِ تطوراتٍ غيرِ مرغوبٍ فيها، أو التخلُّفِ عن الركبِ، والخروجِ من دائرةِ الفعلِ إلى مصيدةِ العوزِ والسقوطِ في قبضةِ وسطوةِ الدولِ التي تمتلكُ المالَ والتكنولوجيا.

والحقيقةُ ما شاهدتُهُ وما استمعتُ إليهِ من مسئوُلِين وخبراءَ في هذا المؤتمرِ المهمِّ يرسمُ صورةً بلا رتوشٍ لمستقبلٍ يحملُ مفرداتٍ ومكوناتٍ جديدةً في تشكيلِ اقتصادياتِ العالم، ما يضعُ كلَّ الدولِ أمامَ مسئوُلياتها في إيجادِ خططٍ تنمويةٍ عاجلةٍ تُحققُ الاستدامةَ وتوفِّرُ فرصَ النموِّ والتطورِ واستيعابِ الارتداداتِ المتوقعةِ والصدماتِ المرتقبةِ، عبرَ برامجَ وطنيةٍ توفِّرُ ضماناتِ استقطابِ رؤوسِ الأموالِ في الاستثمارِ الذي يُعدُّ السلاحَ الناجِزَ في حروبِ البقاءِ القادمةِ.

المؤتمرُ وعبرَ ٣٠ جلسةً نقاشيةً ومشاركةِ خبراءَ ومسئولِين من ١٢٠ دولةً، وضعَ رؤيةً شاملةً لمن أرادَ النجاةَ من مخاطرِ المستقبلِ ورسمَ خارطةَ طريقٍ لمن يبحثُ عن التقدمِ وتحقيقِ رفاهيةِ الشعوبِ. وفي ذاتِ الوقتِ، دقَّ ناقوسَ الخطرِ حولَ غيابِ التمويلِ لمشروعاتِ التنميةِ في الدولِ الناميةِ التي تتطلعُ إلى مستقبلٍ تتخلَّصُ فيهِ من الفقرِ والتبعيةِ لاقتصادياتِ الدولِ المتقدمةِ، التي تعملُ طوالَ الوقتِ على ترسيخِ هذهِ التبعيةِ، والسعي الدائمِ إلى نهبِ ثرواتِ ومقدَّراتِ هذهِ الدولِ وجعلِها طوالَ الوقتِ سوقًا لمنتجاتِها، بل وحقلَ تجاربَ.

ولعلَّ قضيةَ امتلاكِ الطاقةِ عادتْ عبرَ مناقشاتِ المؤتمرِ إلى الواجهةِ بقوةٍ بعدَ ثبوتِ أنها ستكونُ الورقةَ الرابحةَ في سباقِ التنميةِ، بل أهمَّ مُحدِّدٍ في توطينِ الذكاء الاصطناعي وأقوى عنصرٍ في استقطابِ رؤوسِ الأموالِ، بمعنى أنَّ من لا يمتلكُ مصادرَ الطاقةِ فلا مستقبلَ لهُ، بل ربما يخرجُ من سباقِ التنميةِ. هذا ما قالهُ العالمُ المصريُّ والاقتصاديُّ الكبيرُ محمد العريان واتفقَ معهُ عددٌ كبيرٌ من الخبراءِ، الذين اعتبروا أنَّ توطينَ الذكاء الاصطناعي هو سلاحُ الدولِ في امتلاكِ القوةِ الاقتصاديةِ، والتخلُّفَ سيجلِبُ التخلُّفَ.

ولعلَّ تلكَ الحقيقةَ هي التي دفعتِ المملكةَ العربيةَ السعوديةَ إلى تبنِّي برنامجٍ طموحٍ لتوطينِ تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يعدُّ الأضخمَ في المنطقةِ، فيما تتسارعُ وتيرةُ استقطابِ الشركاتِ الكبرى لضخِّ استثماراتها في مشروعاتٍ تنمويةٍ كبرى باتتْ تُشكِّلُ خريطةً جديدةً للمملكةِ السعوديةِ، وفي الصدارةِ منها التكنولوجيا والسياحةُ والصناعةُ والبنيةُ التحتيةُ، وغيرها من مجالاتٍ إنتاجيةٍ وخدميةٍ أصبحتْ تُشكِّلُ أوعيةً استثماريةً ضخمةً.

ولا شكَّ أنَّهُ في جميعِ الأحوالِ يلعبُ التمويلُ وتوافرُهُ دورًا أساسيًا في تمكينِ الدولِ من تكوينِ مراكزِ قوةٍ اقتصاديةٍ تُشكِّلُ في مجملِها قدراتِها على المنافسةِ والمشاركةِ بفاعليةٍ في صناعةِ القرارِ والبقاءِ على خريطةِ الاقتصادِ العالمي. وهنا يبرزُ دورُ القطاعِ الخاصِّ الذي يتعاظمُ في العالمِ الاقتصاديِّ الجديدِ، فالدولُ لا تستطيعُ تدبيرَ التمويلاتِ الكافيةِ لسدِّ متطلباتِ التنميةِ المنشودةِ وتوطينِ الصناعاتِ وتشييدِ البنى التحتيةِ اللازمةِ لبناءِ اقتصادٍ يمتلكُ قدراتِ النموِّ والتطورِ. وهنا لا بدَّ من فتحِ المجالِ أمامَ القطاعِ الخاصِّ لسدِّ الفجوةِ التمويليةِ ومساندةِ الدولةِ في تنفيذِ إستراتيجياتِ التنميةِ. وقد نجحتْ مناقشاتُ المؤتمرِ في وضعِ رؤىً وتصوراتٍ ومقترحاتٍ لمواجهةِ تحدياتِ التمويلِ توفِّرُ ضماناتِ التنميةِ المستدامةِ واللحاقِ بركبِ التقدمِ.

وقد قال لي المهندسُ حسن الخطيب وزيرُ الاستثمارِ والتجارةِ الخارجيةِ، الذي كانَ من بينِ الوزراءِ المشاركينَ، إنَّ مصرَ تدعمُ القطاعَ الخاصَّ بكلِّ قوةٍ وتعملُ على تذليلِ كافةِ العقباتِ أمامهُ، كما أنَّ لديها خطةً واضحةً في مجالِ الطاقةِ واستثمرتْ نحو ٦٠ مليارَ دولارٍ في مجالِ الطاقةِ، منها ٢٥ مليارًا في محطةِ الضبعةِ النوويةِ وحدها. وهي كلُّها تمويلاتٌ مهمةٌ لمواجهةِ متطلباتِ الاستثمارِ والذكاء الاصطناعي الذي توليهِ الحكومةُ أهميةً خاصةً، حيثُ تجري حاليًا مفاوضاتٌ مع شركاتٍ كبرى من أجلِ تنفيذِ عددٍ من المشروعاتِ في الذكاء الاصطناعي كباكورةٍ لبرنامجٍ قوميٍّ يدعمُ تنافسيةَ الاقتصادِ المصريِّ في معاركِ المستقبلِ.

والشاهدُ أنَّ المؤتمرَ سلَّطَ الضوءَ على قضايا التمويلِ والتنميةِ ووضعَ خطوطًا ومحاورَ طريقٍ إلى المستقبلِ لمن يريدُ اللحاقَ بالسباقِ الذي لن ينتظرَ أحدًا.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة